في مشهد سينمائي مغربي معاصر يثبت أن السينما ليست مجرد صور تتحرك، بل حدث إنساني وثقافي بامتياز، يتقدم الفنان الشاب أيوب كريطا بطلة مطلقة في فيلم «البحر البعيد» (La Mer au loin)، الذي يشكل علامة فارقة في مسار السينما المغربية الحديثة.
الفيلم الذي أخرجه سعيد حميش بن العربي ومسار عرضه يمتد بين مهرجانات عالمية وقاعات وطنية، ليس فقط عملًا سينمائيًا، بل سجلًا بصريًا ونفسيًا لسرد مغربي–أوروبي عن تجربة الهجرة، الهوية، وصراع الذات مع الاغتراب.
من الحلم إلى الواقع: أداء أيوب كريطا في قلب الدراما
يلعب أيوب كريطا دور «نور»، شاب مغربي في السابعة والعشرين من عمره يتخذ قرارًا محفوفًا بالتحديات للهجرة غير النظامية إلى مدينة مرسيليا الفرنسية خلال تسعينيات القرن الماضي. من لحظات الوداع الأولى إلى مواجهة شوارع مرسيليا القاسية، يقدم كريطا أداءً يتراوح بين الحلم المرير والأمل المتجدد، في رحلة تمتد لعقد من الزمن، مليئة بالتناقضات الداخلية والصراعات الإنسانية.
في هذا الدور، لا يقدم كريطا أداءً مقتصرًا على التعبير الجسدي فقط، بل يبث في الشخصية عمقًا وجدانيًا يجعل «نور» ليس مجرد شخصية على الشاشة، بل مرآة لقلوب المشاهدين الذين شاهدوا، أو عايشوا، لحظات الانفصال والبحث عن الذات.
فيلم استثنائي بين المهرجانات وقاعات السينما
«البحر البعيد» لم يأت صدفة؛ بل بدأ مسيرة سينمائية منذ عرضه الأول في فرنسا في فبراير 2025، حيث جذب اهتمام النقاد والجمهور على حد سواء بمواضيعه العميقة والصور البصرية الهادئة التي تصنع توازنًا بين الشعرية والتأمل في واقع المهاجرين، بعيدًا من السرد السطحي.
وقد شهد الفيلم احتفاءً نقديًا وجماهيريًا في مهرجانات مهمة، من بينها مهرجان طنجة الوطني للفيلم حيث توج بالجائزة الكبرى وجائزة الإخراج، في تقدير يعكس قوة المشروع الفني ورسالة الفيلم الإنسانية.
أكثر من ذلك، في مهرجان **أگادير الدولي للسينما والهجرة»، تلقى العمل عدة جوائز، من بينها جائزة أفضل أداء رجالي لأيوب كريطا، ما يضعه في مصاف الوجوه السينمائية الصاعدة التي تحمل توقيعًا فنيًا حقيقيًا.
السينما كمرآة للتاريخ والمشاعر
في «البحر البعيد» لا تتعلق القصة فقط بهجرة جسدية، بل بهجرة الروح والأحلام. الفيلم يعالج موضوعات شائكة مثل الحنين، الاغتراب، اندماج الآخر، وصراع الهوية بين الجذور والطموح الجديد – كلها عناصر تجعل من هذا العمل أكثر من مجرد عمل فني، بل وثيقة سينمائية تعبر عن لحظة ثقافية وإنسانية عميقة.
وأداء أيوب كريطا، في قلب هذا السرد، يمثل الجسر الدرامي بين الماضي والحاضر، بين الوجدان الشخصي والجماعي، في شخصية «نور» التي تتنفس روح الحلم المغربي في فرنسا، وتواجه تحديات التكيف، الصداقة، الحب، والتضحيات.
ختامًا: حضور سينمائي مغربي يتحدى الحدود
بين العروض الدولية والعروض الوطنية التي انطلقت في يناير 2026 في القاعات السينمائية المغربية، يثبت «البحر البعيد» أن السينما المغربية باتت قادرة على أن تقول قصتها بجرأة وحِرفية، وأن أسماء مثل أيوب كريطا هي الجسر الجديد نحو جمهور عالمي، تلتقي فيه قوة السرد بالعمق الإنساني، في سينما تتجاوز حدود المكان واللغة.