ذات صلة

أحدث المقالات

ترامب يعلن شروط النهاية: استسلام مقابل إعادة الإعمار

في لحظة سياسية وعسكرية غير مسبوقة، رفع الرئيس الأميركي...

اليوم الدولي للمرأة: ثماني خطوات نحو عالم أكثر مساواة

مقال رأي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش،بمناسبة اليوم...

الذكرى العاشرة للشراكة المغربية الروسية: المباحثات الهاتفية تؤكد متانة العلاقات الثنائية

في خطوة دبلوماسية بالغة الدلالة، جرى يوم 6 مارس 2026 اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الروسي سيرغي لافروف، في توقيت يحمل رمزية خاصة، إذ يتزامن مع الذكرى العاشرة لتوقيع “الشراكة الاستراتيجية المعمقة” بين البلدين، التي تم اعتمادها بموسكو في مارس 2016، خلال الزيارة التاريخية التي قام بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى روسيا الاتحادية.

شكلت الزيارة الملكية إلى موسكو في مارس 2016 محطة فارقة في مسار العلاقات المغربية الروسية. فبعد مرور 50 عاماً على زيارة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني إلى روسيا، جدد جلالة الملك محمد السادس هذا الزخم الدبلوماسي بزيارة رسمية رفيعة المستوى، ترأس خلالها جلالته مباحثات قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين.

هذه الزيارة، التي شارك فيها وفد وزاري مغربي، توجت بالتوقيع على إعلان “الشراكة الاستراتيجية المعمقة” بين البلدين، إلى جانب حزمة من الاتفاقيات الثنائية في مجالات حيوية شملت النقل الجوي، مكافحة الإرهاب، الصيد البحري، السياحة، الطاقة، الرقابة البيطرية، والتعاون الثقافي والديني. وقد وصفت المصادر الرسمية الروسية هذه المباحثات بالمثمرة، مؤكدة أنها ستعمق أكثر الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

الذكرى العاشرة: استحضار للتراكم الإيجابي

إن تزامن هذا الاتصال مع الذكرى العاشرة لتوقيع الشراكة الاستراتيجية يحمل دلالة واضحة: العلاقات المغربية الروسية تسير في خط بياني تصاعدي متصل، وما تحقق خلال عقد من الزمن من مكاسب يشكل قاعدة صلبة للانطلاق نحو آفاق أرحب وأوسع. فخلال هذه السنوات العشر، تمكنت الدبلوماسية المغربية من ترسيخ موقعها كشريك موثوق لموسكو في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، مع الحفاظ على توازنها التقليدي بين الشرق والغرب. وقد أظهرت المباحثات الأخيرة بين لافروف وبوريطة أن “الروح البناءة والثقة” التي ميزت العلاقات الثنائية ما زالت حاضرة بقوة، مما يعكس رغبة مشتركة في تعميق هذه الشراكة الاستراتيجية.

وقد أعرب الوزيران خلال هذا الاتصال عن ارتياحهما لجودة علاقات الصداقة والتعاون التي تربط بين البلدين، مؤكدين إرادتهما المشتركة لمواصلة تعزيز هذه الشراكة التي أثبتت جدواها على مدى عقد كامل.

البعد الإفريقي والملفات الإقليمية

طيلة عشر سنوات، لم تغب القضايا الإقليمية والدولية الراهنة عن طاولة النقاش، خاصة في سياق تعزيز التنسيق الثنائي في السياسة الخارجية. فالمغرب، بفضل موقعه الاستراتيجي وعلاقاته المتشعبة مع العمق الإفريقي، يشكل شريكاً مهماً لروسيا في ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الأمن في الساحل، ومكافحة الإرهاب، والتطورات في ليبيا والشرق الأوسط.

الموقف الروسي من قضية الصحراء المغربية

يشكل الموقف الروسي من قضية الصحراء المغربية ترجمة عملية لعمق التفاهم الاستراتيجي مع الرباط. فبعد أن أبدت موسكو، منذ الزيارة الملكية التاريخية عام 2016، تفهماً واضحاً للمقاربة المغربية وأكدت دعمها للمسار الأممي، جاء امتناعها عن التصويت على القرار 2797 بمجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 ليؤكد استمرار هذا النهج الإيجابي. فقد مكّن هذا الموقف الروسي المتوازن من تمرير قرار يعترف بـ”الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” كأساس واقعي للتسوية، في رسالة واضحة على حرص موسكو على دعم الاستقرار في المنطقة وعدم عرقلة التوافقات الدولية الهادفة إلى حل النزاع.

تدشين الخط الجوي المباشر: الدار البيضاء – سانت بطرسبرغ

في سياق هذا الزخم المتصاعد للعلاقات المغربية الروسية، يبرز تدشين الخط الجوي المباشر بين الدار البيضاء وسانت بطرسبرغ كأبرز تجليات الدينامية الإيجابية التي تشهدها الشراكة بين البلدين. ففي خطوة استراتيجية تعزز الربط الجوي، أعلنت الخطوط الملكية المغربية عن إطلاق هذا الخط الجديد ابتداءا من 21 يناير 2026، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعياً. وهذا التطور يعكس الحيوية المتزايدة للتبادل الاقتصادي والثقافي والسياحي بين البلدين، ويساهم في تقليص مدة السفر إلى أقل من ست ساعات، مما يسهل تنقل السياح ورجال الأعمال.

السفير الروسي يضيء على أبعاد جديدة في العلاقات مع المغرب: اقتصاد ورياضة وسياحة

كشفت تصريحات سفير روسيا الاتحادية بالرباط، فلاديمير بايباكوف، في مقابلة خاصة مع وكالة “نوفوستي” بمناسبة اليوم الدبلوماسي الروسي، عن أبعاد إضافية تعمق فهمنا لطبيعة العلاقات الثنائية. فقد أكد الدبلوماسي الروسي على متانة العلاقات، مشيراً إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يحافظ على استقراره عند حدود ملياري دولار، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تفرضها العقوبات الغربية.

وعلى الصعيد الثقافي والرياضي، أشار السفير إلى النمو المتزايد للسياحة الروسية نحو المغرب، الذي استقبل رقماً قياسياً بلغ 20 مليون سائح العام الماضي، داعياً الروس إلى اكتشاف المدن المغربية العريقة. كما كشف عن اقتراح مثير للاهتمام بإمكانية تنظيم مباراة ودية بين المنتخبين الروسي والمغربي، أو استضافة رياضيين روس في المجمع الأولمبي الجديد بالرباط، في خطوة تعكس المناخ الإيجابي والثقة المتبادلة بين البلدين، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون تتجاوز الإطار السياسي والاقتصادي التقليدي.

في ذكرى عشر سنوات على إطلاق الشراكة الاستراتيجية المعمقة بين المغرب وروسيا، تأتي المكالمة الهاتفية بين الوزيرين بوريطة ولافروف لتؤكد أن هذه العلاقة راكمت منجزات مهمة تستحق البناء عليها. إنها رسالة مفادها أن الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، تواصل نهجها المتوازن القائم على تنويع الشراكات وتعميق التحالفات مع القوى الدولية الفاعلة، دون أن يكون ذلك على حساب الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية. ويبقى أن نتابع كيف ستنعكس هذه الدينامية الإيجابية على أرض الواقع خلال العقد المقبل، وما إذا كانت الذكرى العاشرة ستشهد مبادرات جديدة تعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين الصديقين.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img