ذات صلة

أحدث المقالات

المغرب: قوة إقليمية صاعدة (1999-2026)

في مقال نُشر بتاريخ 13 مارس 2026 بصحيفة أتالايار...

الزعامة السياسية تُصنع بالحضور: مفارقة فاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة على المسرح الوطني

في المشهد السياسي، لا تُقاس الزعامة فقط بحجم المسؤوليات التي يتولاها السياسي، بل بقدرته على تحويل تلك المسؤوليات إلى حضور فعلي داخل المجال العمومي. فالحضور في السياسة ليس مجرد مشاركة بروتوكولية في المناسبات، بل رسالة رمزية تؤكد موقع الفاعل داخل موازين القوة والتأثير. ومن هذا المنطلق، تحوّل حدث دبلوماسي نظمته السفارة الأمريكية في الرباط، بمناسبة مرور 250 سنة على العلاقات التاريخية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة، إلى لحظة كاشفة لقراءة أعمق في ديناميات الحضور والغياب داخل المشهد السياسي المغربي. فقد احتضن مقر إقامة السفير الأمريكي لدى المغرب ديوك بوكان الثالث هذه المناسبة التي استحضرت عمق العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وهي علاقات تعود جذورها إلى اعتراف المغرب المبكر بالولايات المتحدة سنة 1777، في واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ المعاصر.

غير أن هذه المناسبة الدبلوماسية، التي حضرها عدد من الوزراء والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، سلطت الضوء أيضاً على غياب شخصية سياسية بارزة هي فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والمنسقة الوطنية لحزب حزب الأصالة والمعاصرة. فالغياب هنا لم يُقرأ بوصفه تفصيلاً بروتوكولياً عادياً، بل تحول إلى عنصر داخل النقاش السياسي غير المعلن حول ديناميات الحضور داخل الحكومة والتحالف الحاكم. ذلك أن مثل هذه المحطات الدبلوماسية غالباً ما تُستثمر سياسياً لإبراز موقع الفاعلين في المشهد، وإظهار قدرتهم على نسج العلاقات والتأثير في الفضاء العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تُطرح أسماؤها ضمن دائرة الطموحات السياسية المستقبلية.

ويكتسب هذا الغياب دلالة أكبر عندما يُوضع في سياق أوسع يتصل بالصورة العامة للأداء السياسي. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام وزراء قادرين على التواصل مع المواطنين وشرح السياسات العمومية وقيادة النقاشات الوطنية، يبدو أحياناً أن بعض المسؤولين يكتفون بالحضور المؤسساتي المرتبط بالمنصب، دون أن يتحول ذلك إلى حضور سياسي فعلي داخل الفضاء العمومي. هنا تتشكل المفارقة التي تثير النقاش في الكواليس السياسية: وزراء يشغلون مواقع مؤثرة داخل الحكومة، لكن حضورهم في المشهد العمومي يظل محدوداً أو متقطعاً.

في المقابل، يبرز نموذج مختلف داخل الحكومة يتمثل في نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب حزب الاستقلال، الذي يواصل تكريس حضوره الميداني عبر زيارات متتالية للمشاريع والبنيات التحتية ولقاءات مع المنتخبين والفاعلين المحليين. هذا الحضور المتواصل، الذي تحرص وسائل الإعلام على توثيقه بشكل دائم، يساهم في ترسيخ صورة سياسي نشيط يسعى إلى تعزيز موقعه داخل التوازنات السياسية، سواء داخل الحكومة أو داخل حزبه.

المفارقة بين الحضور المكثف والغياب المتكرر لا تعكس فقط اختلافاً في أساليب العمل السياسي، بل تكشف أيضاً عن صراع صامت حول من ينجح في صناعة الصورة السياسية الأكثر تأثيراً. فالسياسة الحديثة، كما تُدار اليوم، لم تعد تعتمد فقط على اتخاذ القرار داخل المكاتب، بل أصبحت رهينة القدرة على الظهور المستمر في الفضاء العمومي، وإقناع الرأي العام بجدية الفاعل السياسي وحضوره الفعلي في الميدان.

وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بسياق سياسي يستعد لمرحلة دقيقة ترتبط باستحقاقات دولية كبرى، من بينها تنظيم كأس العالم 2030 الذي سيجمع بين المغرب وإسبانيا والبرتغال. فهذه المرحلة لا تتطلب فقط إدارة تقنية للمشاريع، بل أيضاً قيادة سياسية قادرة على إقناع الداخل والخارج بقدرة الدولة على مواكبة هذا التحول التاريخي.

من هنا يصبح السؤال الذي يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية أكثر وضوحاً: من ينجح فعلاً في كسب النقاط داخل السباق غير المعلن نحو الزعامة السياسية؟ فالتجربة السياسية تؤكد أن الزعامة لا تُصنع بالألقاب ولا بالمناصب وحدها، بل تُبنى تدريجياً عبر الحضور المتواصل في الميدان، والقدرة على تحويل المسؤولية الحكومية إلى تأثير سياسي ملموس. وفي عالم السياسة، قد يكون الغياب أحياناً أبلغ من الحضور، لأنه يترك فراغاً سرعان ما يملؤه المنافسون.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img