ذات صلة

أحدث المقالات

المغرب كـ”فلتر أمني” للمتوسط: ما وراء خطة العمل القضائية مع فرنسا

في لحظة سياسية وقضائية دقيقة، وقّع المغرب وفرنسا بالرباط...

نيويورك تايمز: حلفاء أمريكا يتقربون للصين وفق شروط بكين

في صحيفة نيويورك تايمز، برز تحليل أجراه ديفيد بيرسون،...

المغرب كـ”فلتر أمني” للمتوسط: ما وراء خطة العمل القضائية مع فرنسا

في لحظة سياسية وقضائية دقيقة، وقّع المغرب وفرنسا بالرباط خطة عمل جديدة للتعاون التقني في مجال العدالة للفترة الممتدة بين 2026 و2028، في خطوة تتجاوز طابعها البروتوكولي لتكشف عن تحوّل نوعي في موقع الشراكة القضائية بين البلدين. التوقيع تم خلال ثاني زيارة يؤديها وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى المغرب في أقل من عام، وهو معطى لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يشهد تصاعداً غير مسبوق في الرهانات الأمنية المرتبطة بالجريمة العابرة للحدود.

الخطة، في ظاهرها، تقنية ومؤسساتية، إذ تشمل دعم تحديث الإدارة القضائية، وتعزيز قدرات الموارد البشرية، وتبادل الخبرات حول المستجدات التشريعية، إضافة إلى التنسيق في المحافل الدولية. غير أن ما وراء هذه العناوين يكشف عن منطق أعمق: إعادة هندسة التعاون القضائي على أساس الثقة العملياتية، وليس فقط على قاعدة الاتفاقيات الإطارية التقليدية.

تصريحات وزيري العدل في البلدين عكست هذا التحول بوضوح. فعبداللطيف وهبي تحدث عن شراكة تاريخية تتجاوز التعاون القطاعي، معتبراً العدالة ركيزة مركزية في ترسيخ دولة القانون. أما دارمانان فوصف العلاقة بالمتينة والقابلة للتطور، وهي صيغة دبلوماسية تخفي اعترافاً فرنسياً متزايداً بفعالية النموذج المغربي في التعامل مع الملفات الأمنية المعقدة.

هذا الاعتراف لم يأت من فراغ. ففي يناير الماضي، سلّم المغرب لفرنسا أحد أبرز قادة شبكات تهريب المخدرات الناشطة في مارسيليا، في عملية وُصفت في الأوساط الفرنسية بأنها نموذج للاستجابة القضائية السريعة. لم تكن القضية مجرد توقيف تقني، بل رسالة سياسية مفادها أن الرباط لم تعد مجرد شريك متعاون، بل فاعل مركزي في أمن الضفة الشمالية للمتوسط.

وتعزز هذا المسار بسلسلة من العمليات التي كشفت طبيعة الرهانات الجديدة. من بينها توقيف شخص في طنجة متورط في اختطافات مرتبطة بتبييض الأموال الرقمية، وتسليم مشتبه فيهما في قضية الهجوم الدموي على سيارة نقل سجناء بفرنسا، وهي ملفات ذات طابع “تقني عالي الخطورة”، تتقاطع فيها الجريمة المنظمة مع التكنولوجيا والمال المشفر.

في باريس، لم يُخف المسؤولون إعجابهم بسرعة التحرك المغربي، خاصة في ما عُرف إعلامياً بقضية “فرار السجناء”، التي تحولت إلى مؤشر على مستوى الثقة المتبادلة بين المؤسستين القضائيتين. الثقة هنا لم تعد شعاراً دبلوماسياً، بل رصيداً عملياتياً يُبنى على نتائج ملموسة.

زيارة دارمانان بدورها لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل جاءت محمّلة بأجندة أمنية صريحة. ففي منشور له على منصة “إكس”، أكد أن الهدف المركزي هو الحزم في مواجهة شبكات الاتجار بالمخدرات. وتحدثت مصادر مطلعة عن ملفات استراتيجية مطروحة على الطاولة، تشمل تحديد هوية مطلوبين فرنسيين يُشتبه بوجودهم في المغرب، ومحاربة الاحتيال المالي، وتبييض الأموال عبر العملات المشفرة.

في هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل أمني يتجاوز حدوده الجغرافية. فالأجهزة الأمنية المغربية، وعلى رأسها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والشرطة القضائية، طوّرت نمطاً من التدخل يقوم على السرعة والاستباقية والصرامة القانونية. التعامل مع “النشرات الحمراء” للإنتربول لم يعد مسطرة إدارية، بل مساراً عملياً ذا فعالية عالية.

قضية المطلوب الفرنسي “محمد عمره”، الملقب بـ“الذبابة”، تختصر هذا المنطق. ففي غضون ساعات من تلقي طلب التعاون، تم تحديد مكان شركائه وتوقيفهم في مراكش، في عملية وُصفت داخل الأوساط القضائية الفرنسية بـ“الاستجابة القياسية”، وهو توصيف نادر في قاموس التعاون الأمني الدولي.

الأهم أن هذه الخبرة لم تبق محصورة في الإطار الأوروبي. فقد امتدت لتشمل عمليات مع دول بعيدة جغرافياً، مثل تسليم مطلوب اقتصادي للصين في عملية “Fox Hunt”، وتوقيف مواطن دنماركي بمطار محمد الخامس بتنسيق مع المكتب الأميركي لمكافحة المخدرات. وهو ما يعكس تحوّل المغرب إلى ما يشبه “فلتر أمني عالمي”، قادر على الربط بين شبكات التعاون شرقاً وغرباً.

بهذا المعنى، لا تمثل خطة العمل الجديدة مجرد وثيقة إدارية، بل إعلاناً غير مباشر عن دخول التعاون القضائي المغربي–الفرنسي مرحلة النضج الكامل. مرحلة تتراجع فيها الحساسيات السياسية، وتعلو فيها منطق المصالح الأمنية العليا، والقيم القضائية المشتركة، بما يفتح الباب أمام شراكة مؤسساتية أكثر عمقاً واستدامة، في عالم باتت فيه الجريمة المنظمة عابرة للحدود، والدولة القادرة على مواجهتها هي تلك التي تملك شبكة ثقة قبل أن تملك ترسانة قوانين.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img