ذات صلة

أحدث المقالات

الملك محمد السادس يضع التنمية المستدامة والفرص الشبابية في قلب المشروع

في لحظة ذات دلالة استراتيجية، ترأس جلالة الملك محمد...

من مقعد في “الفيفا” إلى محاولة تفجير أزمة بين دولتين

كيف تحوّل خلاف انتخابي داخل الكاف إلى حرب مفتوحة...

صلابة الحكم الذاتي تُفشل مناورة واشنطن… حين دخلت البوليساريو امتحان الحقيقة

لم تكن “رحلة واشنطن” التي روّجت لها جبهة البوليساريو...

المغرب والسنغال: حين تتحول أزمة الملعب إلى شراكة استراتيجية

توقيع 17 اتفاقية في مجالات الاقتصاد والتعليم والفلاحة يؤكد...

الملك محمد السادس يضع التنمية المستدامة والفرص الشبابية في قلب المشروع

في لحظة ذات دلالة استراتيجية، ترأس جلالة الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، اجتماع عمل خُصص لمشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، ليس باعتباره مجرد ورش بنيوي جديد، بل كحلقة مفصلية في إعادة تشكيل موقع المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية، وامتداداً مباشراً للرؤية التي دشّنها نجاح طنجة المتوسط، حين تحوّل من مشروع وطني طموح إلى منصة دولية مؤثرة في حركة الملاحة واللوجستيك.

الاجتماع، الذي يندرج في أفق الإطلاق التشغيلي للميناء خلال الربع الأخير من السنة الجارية، حمل في طياته أكثر من مجرد عرض تقني حول تقدم الأشغال، بل عكس انتقال المشروع من مرحلة البناء إلى مرحلة الرهان الحقيقي: رهان الجدوى الاقتصادية، والتكامل الترابي، والسيادة الطاقية، وجاذبية الاستثمار. فميناء الناظور لا يُقدَّم كميناء إضافي على خريطة الموانئ الوطنية، بل كجزء من تصور شامل لإرساء منظومة مينائية متكاملة، قادرة على توزيع الأدوار بين الواجهتين المتوسطية والأطلسية، وتخفيف الضغط عن طنجة، وربط شمال شرق المملكة مباشرة بالأسواق العالمية.

وخلال الاجتماع، قدّم فؤاد البريني، رئيس مجلس إدارة “الناظور غرب المتوسط”، عرضاً مفصلاً حول مستوى تقدم المشروع، الذي استقطب إلى حدود اليوم استثمارات عمومية وخاصة تناهز 51 مليار درهم، وهو رقم لا يعكس فقط حجم الورش، بل حجم الثقة السياسية والاقتصادية التي ترافقه. على المستوى المينائي، تم إنجاز البنيات الأساسية: كاسرات أمواج تمتد على 5.4 كيلومترات، وأرصفة بطول 4 كيلومترات، إضافة إلى أربعة مراكز طاقية، في حين تم توقيع عقدي الامتياز لمحطتي الحاويات، اللتين ستدخلان الخدمة تدريجياً خلال السنة الجارية.

غير أن ما يمنح المشروع بعده الاستراتيجي الحقيقي، ليس فقط قدرته اللوجستية، بل مكونه الطاقي. فالميناء يحتضن أول محطة للغاز الطبيعي المسال بالمغرب، بطاقة سنوية تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، إضافة إلى محطة للمحروقات، في خطوة تُحوّل الناظور من مجرد عقدة تجارية إلى رافعة مباشرة للسيادة الطاقية، وتحرير جزئي للاقتصاد الوطني من تقلبات الإمدادات الخارجية، في سياق دولي باتت فيه الطاقة ورقة جيوسياسية بامتياز.

وعند انطلاقه، ستبلغ الطاقة الاستيعابية للميناء 5 ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، على أن ترتفع مستقبلاً إلى 12 مليون حاوية و15 مليون طن إضافية من السوائل، وهي أرقام تضع الناظور في مصاف الموانئ الكبرى بالمتوسط، وتجعله مؤهلاً ليكون نقطة عبور رئيسية بين أوروبا وأفريقيا، وواجهة جديدة للمغرب على طرق التجارة العالمية.

إلى جانب المركب المينائي، يشمل المشروع مناطق صناعية ولوجستية تمتد في مرحلتها الأولى على 700 هكتار، وقد بدأت فعلياً في استقطاب فاعلين دوليين، باستثمارات خاصة مؤكدة تناهز 20 مليار درهم. هذه المناطق لا تمثل فقط امتداداً تقنياً للميناء، بل رهانا اجتماعياً وتنموياً، يُفترض أن يحوّل الجهة الشرقية من مجال طالما وُصف بالهامشي إلى قطب إنتاجي جديد، قادر على خلق فرص شغل حقيقية، وإعادة توزيع التوازنات الاقتصادية داخل التراب الوطني.

ومن هنا، جاءت التعليمات الملكية واضحة في بعدها الاجتماعي والمجالي: ضرورة مواكبة المشروع ببرامج تكوين متخصصة، تيسير اندماج الشباب في سوق الشغل، وضمان أن تستفيد من ثماره جميع الأقاليم الواقعة ضمن نطاق إشعاعه، ليس فقط عبر الوظائف، بل عبر برامج للتأهيل الحضري، وتحسين شروط العيش، وصياغة مخطط تنموي متعدد الأبعاد يؤمّن استدامة المشروع، ويمنع تحوّله إلى جزيرة اقتصادية معزولة عن محيطها الاجتماعي.

بهذا المعنى، لا يبدو ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد ورش تقني ضخم، بل تعبيراً عن انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة في التفكير في البنية التحتية: مرحلة لا تُقاس فقط بالكيلومترات والأرصفة، بل بقدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والمجال، بين الاستثمار والتنمية، وبين الطموح الجيو-اقتصادي والعدالة الترابية. مشروع لا يُختزل في ميناء، بل في رؤية دولة تراهن على أن تكون فاعلاً لا مجرد ممر، وشريكاً لا مجرد منصة عبور.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img