ذات صلة

أحدث المقالات

2300 أكيم وذكاء اصطناعي: كيف يقود الريف كازاخستان نحو الإصلاح والاستقرار

تسعى كازاخستان اليوم لتقديم نموذج جديد في الإدارة السياسية...

الملكية الروحية والدبلوماسية: قراءة في استراتيجية المغرب الدولية

المغرب والإقناع الروحي: حين يصبح الدين ورقة نفوذ في...

أي دور للدبلوماسية الشعبية في دعم الدبلوماسية الملكية المغربية؟

  حرصت الدبلوماسية الملكية المغربية منذ القدم على تعزيز مكانة...

حكومة مونديال 2026: كيف يعيد أوزين تعريف معنى الحكم ويستحضر «يوم الحساب»؟

هل يملك أحد الجرأة لقيادة “حكومة مونديال 2026” في...

ببرشلونة… حين تتحوّل لحظة رياضية إلى فعل دبلوماسي هادئ mdm13press والقنصلية العامة للمملكة المغربية تكرّمان بادو الزاكي… والرسائل أبعد من كرة القدم

لم يكن مساء فندق “هيات غراند برشلونة” مجرّد موعد جماعي لمتابعة مباراة في كأس أمم إفريقيا، ولا احتفالاً عابراً بانتصار “أسود الأطلس” على منتخب تنزانيا. ما جرى هناك كان أقرب إلى مشهد مركّب، تتداخل فيه الرياضة بالذاكرة، والهوية بالفعل الدبلوماسي، والفرح الجماعي بإعادة ترتيب العلاقة بين الوطن وأبنائه في الخارج.

من الوهلة الأولى، بدا الحدث بسيطاً في شكله: جالية مغربية، مباراة كرة قدم، تكريم رمز وطني. لكن التمعّن في التفاصيل يكشف أن الأمر يتجاوز البرمجة المناسبة لسهرة رياضية، ليلامس تحوّلاً في طريقة اشتغال الدبلوماسية المغربية خارج حدودها.

من متابعة مباراة… إلى استحضار الذاكرة الوطنية

اجتمع مغاربة برشلونة حول شاشة واحدة، لكنهم، في العمق، التفّوا حول فكرة واحدة: أن الرياضة ليست تسلية فقط، بل خزان ذاكرة جماعية، ومساحة لإعادة إنتاج الانتماء. فوز المنتخب وتأهله إلى ربع النهائي كان لحظة جامعة، غير أن اللحظة الأعمق جاءت عندما تحوّلت القاعة إلى فضاء لاستحضار مسار رياضي شكّل جزءاً من الوعي الكروي المغربي.

هنا، لم يعد بادو الزاكي اسماً في سجل التاريخ، بل رمزاً حيّاً يُستدعى ليقول إن الإنجاز لا يشيخ، وإن الاعتراف لا يجب أن يكون مؤجلاً إلى ما بعد الغياب.

بادو الزاكي… أكثر من حارس مرمى

تكريم الزاكي لم يكن احتفاءً بماضٍ منتهٍ، بل اعترافاً بمسار ممتد، من مرمى المنتخب المغربي إلى تجربة التدريب الإفريقية. حضوره في برشلونة، وهو يقود اليوم منتخب النيجر، حمل دلالة إضافية: الكفاءة المغربية حين تشتغل خارج الوطن تظل جزءاً من صورته.

كلمات الزاكي، الهادئة والصادقة، لم تُلقَ من منصة بروتوكولية، بل خرجت كاعتراف إنساني بأن هذا النوع من اللقاءات يعيد للرياضي توازنه الرمزي، ويؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه، حتى وهم بعيدون جغرافياً.

شرف الدين دينار… نموذج الامتداد لا القطيعة

إلى جانب الزاكي، حضر شرف الدين دينار، المستشار الرياضي بمدينة تيراسا الإسبانية، ليقدّم نموذجاً آخر: مغربي يشتغل داخل المؤسسات المحلية الأوروبية، دون أن يقطع خيط الارتباط بالهوية الأصلية. مشروعه الرياضي المعروض لم يكن استعراضاً، بل إشارة إلى أن العطاء المغربي لا يتوقف عند الحدود، وأن الاندماج لا يعني الذوبان.

القنصلية… حين تخرج الدبلوماسية من صمت المكاتب

اللافت في هذا الحدث لم يكن فقط التنظيم أو الحضور، بل الدور الذي لعبته القنصلية العامة للمملكة المغربية ببرشلونة. خطاب السيدة القنصل العام نزهة الطهار لم يذهب في اتجاه المجاملة، بل في اتجاه تثمين المسار والاعتراف بالدور الرمزي للرياضة في تمثيل المغرب دولياً.

هنا، تبرز قراءة أعمق: نحن أمام دبلوماسية مغربية تتغيّر في أدواتها. دبلوماسية لم تعد تكتفي بالملفات الإدارية أو اللقاءات الرسمية المغلقة، بل تنزل إلى فضاءات الجالية، وتستثمر في الرياضة والفن والذاكرة الجماعية، تماماً كما تفعل الدول الكبرى التي فهمت مبكراً معنى “القوة الناعمة”.

فقرات تراثية… حين تكتمل الدائرة

الدقة المراكشية، حفل الشاي، التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو ثانوية، أدّت وظيفة أساسية: استعادة المغرب رمزياً داخل قاعة أوروبية. لم يكن ذلك فولكلوراً معزولاً، بل لغة ثقافية موازية تقول إن الهوية تُعاش ولا تُشرح.

أسئلة مفتوحة… إلى أين تتجه هذه المنهجية؟

الحدث، في جوهره، يفتح أكثر مما يُغلق. إذا كانت الدبلوماسية المغربية قد بدأت تستثمر بوضوح في كرة القدم ورموزها، فهل نحن أمام توسّع طبيعي لهذا النموذج؟

  • هل ستنتقل هذه المقاربة إلى الرياضات القتالية التي راكم فيها المغرب حضوراً دولياً لافتاً؟

  • ماذا عن MMA، الجوجيتسو البرازيلية، الكيك بوكسينغ، المواي تاي، الجيدو… حيث يرفع مغاربة راية البلاد في بطولات عالمية دون أن يحظوا دائماً بالاعتراف نفسه؟

  • وهل تتحوّل القنصليات والسفارات إلى منصات دعم منتظم لهذه الرياضات، أم يبقى الأمر محصوراً في المناسبات الكبرى؟

خاتمة: حدث صغير… بدلالات كبيرة

الصور الجماعية في ختام اللقاء لم تكن للتوثيق فقط. كانت بياناً غير مكتوب: مغاربة الخارج ليسوا جمهوراً عابراً، بل شركاء في صناعة صورة الوطن. والرياضة، حين تُدار بوعي دبلوماسي، تصبح جسراً لا يحتاج إلى خطب طويلة.

ما جرى في برشلونة لا يُقرأ كخبر احتفالي فقط، بل كإشارة على أن الدبلوماسية المغربية بدأت تتكلم لغة جديدة: لغة الإنسان، والذاكرة، والإنجاز.
ويبقى السؤال مفتوحاً… هل نشهد بداية مسار، أم مجرد لحظة استثنائية؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img