في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوتر، اختار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، أن يوجّه انتقاداً علنياً لوزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، على خلفية تصريحات نُسبت إليه بشأن اضطلاع المغرب بدور قيادي في برنامج لمحاربة خطاب الكراهية في غزة، ضمن إطار ما يُعرف بـ“Peace Council” المدعوم من الولايات المتحدة. غير أن ما بدا في ظاهره سجالاً سياسياً عادياً، يخفي في عمقه أسئلة دقيقة تتعلق بحدود الخطاب الدبلوماسي، وتموقع المغرب في معادلة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتوازنات الداخل الحزبي.
بنكيران، في شريط مصوّر نشره على صفحته الرسمية، لم يكتفِ بالتشكيك في ملاءمة التصريحات أو توقيتها، بل ذهب أبعد من ذلك حين حذّر من أن تُفهم في سياق قد يسيء إلى صورة المغرب أو يُربك موقفه التاريخي من القضية الفلسطينية.
هنا لا يتحدث الرجل بصفته زعيماً حزبياً معارضاً فحسب، بل باعتباره فاعلاً سياسياً يستحضر الذاكرة الرمزية لمواقف المغرب الرسمية والشعبية تجاه فلسطين، ويخاطب وجدان قاعدة انتخابية حساسة تجاه كل ما قد يُؤوَّل كتنازل سياسي أو أخلاقي.
جوهر اعتراض بنكيران انصبّ على مسألة “التعايش” في ظل واقع الاحتلال. فبحسب قراءته، فإن الدعوة إلى تعزيز التعايش في الظرف الراهن قد تُفهم وكأنها موجهة إلى الفلسطينيين، بما يوحي بضرورة إعادة تعريفهم لإسرائيل كطرف يمكن التعايش معه، بدل اعتبارها قوة احتلال. ومن هذا المنطلق، يرى أن أي خطاب حول التعايش ينبغي أن يُوجَّه أولاً إلى القوة القائمة بالاحتلال، لا إلى الشعب الواقع تحته. إنها مفارقة لغوية وسياسية في آن: من يُطالَب بتعديل سلوكه؟ الضحية أم الفاعل؟
في العمق، يستعيد بنكيران سردية تعتبر أن الصراع ليس خلافاً سياسياً عابراً يمكن تسويته بإجراءات “بناء الثقة”، بل نزاعاً جذرياً حول الأرض والاقتلاع والحقوق التاريخية. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن برامج لمحاربة خطاب الكراهية قد يبدو، في نظر منتقديه، معالجة للنتائج بدل الأسباب، أو محاولة لتلطيف صورة واقع لم تتغير شروطه البنيوية.
ومع ذلك، لم يُغفل بنكيران الإشارة إلى أن تدبير السياسة الخارجية يندرج ضمن الصلاحيات السيادية للملك، محمد السادس، وهو تذكير يحمل دلالتين: أولاً، تأكيد الإطار الدستوري الذي يحتكم إليه المغرب في هذا المجال؛ وثانياً، نزع أي تأويل قد يُفهم كتشكيك في المرجعية العليا للقرار الدبلوماسي. لكنه في المقابل شدد على أن هذا لا يمنع الأحزاب السياسية أو الرأي العام من إبداء مواقفهم تجاه القضايا الدولية، في توازن دقيق بين الشرعية الدستورية والحق في التعبير السياسي.
إعادة بنكيران التأكيد على رفض حزبه لمسار التطبيع مع إسرائيل ليست جديدة في خطاب حزب العدالة والتنمية، لكنها تأتي في سياق إقليمي يتسم بتصاعد الضغوط الدولية لإعادة صياغة أولويات الشرق الأوسط، وفي لحظة يعاد فيها طرح أدوار إقليمية لدول وازنة، من بينها المغرب. وهنا يبرز السؤال: هل يعكس السجال اختلافاً في التقدير السياسي حول أدوات التأثير، أم هو صراع على تأويل “الثوابت” ذاتها؟
اللافت في خطاب بنكيران أيضاً أنه نقل بوصلة الضغط نحو الإدارة الأميركية، معتبراً أن أي سلام دائم يمر عبر إنصاف الفلسطينيين، لا عبر الضغط عليهم لتغيير مقاربتهم للصراع. بهذا المعنى، يضع الرجل النقاش في إطار أوسع يتجاوز التصريحات الظرفية إلى سؤال العدالة كأساس للسلام.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط ببرنامج لمحاربة خطاب الكراهية أو بمبادرة تحمل اسماً دولياً، بل بكيفية تموضع المغرب بين التزاماته الدبلوماسية، وصورته التاريخية كمدافع عن القضية الفلسطينية، وتوازناته الداخلية. إنه نقاش حول اللغة بقدر ما هو نقاش حول السياسة؛ حول الرمزية بقدر ما هو حول المصالح. وفي هذا التقاطع الدقيق، تتحدد حساسية كل كلمة، وثقل كل تصريح.