ذات صلة

أحدث المقالات

المغرب: قوة إقليمية صاعدة (1999-2026)

في مقال نُشر بتاريخ 13 مارس 2026 بصحيفة أتالايار...

حرب إيران تكشف المفارقة الكبرى: واشنطن وتل أبيب تشعلان الصراع… والخليج يدفع الفاتورة

في خضم التصعيد العسكري الذي اندلع بين الولايات المتحدة وإيران، تتكشف تدريجياً معادلة جيوسياسية معقدة في الشرق الأوسط: حرب قد تكون شرارتها قد اشتعلت في واشنطن، لكنها تُدفع فعلياً من خزائن واستقرار دول الخليج. فالمشهد الإقليمي اليوم لا يعكس فقط صراعاً عسكرياً بين قوتين، بل يكشف أيضاً حدود التحالفات الأمنية التقليدية التي قامت لعقود بين واشنطن والدول الخليجية المنتجة للطاقة.

تشير تقديرات مصادر إقليمية ومحللين في الخليج إلى أن العواصم الخليجية تجد نفسها في موقع المتلقي لتداعيات حرب لم تكن طرفاً في قرارها السياسي. فبينما تُدار العمليات العسكرية في إطار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، تتحمل دول الخليج التكاليف الأمنية والاقتصادية المباشرة، بدءاً من تعرض منشآت حيوية وموانئ ومطارات لضربات صاروخية وطائرات مسيرة، وصولاً إلى اضطراب قطاعات حيوية مثل الطاقة والسياحة والنقل الجوي.

وترى ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن جوهر الإشكال يكمن في أن دول الخليج لم تكن راغبة في هذا الصراع، لكنها وجدت نفسها تدفع ثمنه على مستوى أمنها واقتصادها. غير أن هذا الموقف لا يعني – بحسبها – تبرئة إيران من مسؤولية التصعيد، إذ إن طهران ردت على الحرب باستهداف دول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، رغم تطمينات خليجية سابقة بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لإطلاق عمليات ضدها.

هذا الواقع يعكس مفارقة استراتيجية: فالدول التي حاولت البقاء خارج الصراع أصبحت ساحة غير مباشرة له. ومع توسع الهجمات الإيرانية في المنطقة، تراجعت ثقة المستثمرين وقطاع الأعمال، بينما تعرضت قطاعات حيوية لاضطرابات غير مسبوقة، خاصة بعد توقف جزئي لحركة الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية.

اقتصادياً، لم تقتصر التداعيات على الطاقة فقط، بل امتدت إلى حركة الطيران والسياحة. فقد أدى إغلاق المجال الجوي في أجزاء واسعة من المنطقة إلى إلغاء عشرات الآلاف من الرحلات الجوية، في أكبر اضطراب عالمي لحركة الطيران منذ جائحة COVID-19. كما بدأت صورة الخليج كوجهة سياحية آمنة وفاخرة تتعرض لضغوط، في وقت استثمرت فيه دول المنطقة مليارات الدولارات لبناء اقتصاد ما بعد النفط.

سياسياً، يبدو أن الحرب أعادت فتح سؤال قديم في الخليج: إلى أي حد يمكن الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية؟
فالعلاقة التقليدية التي قامت منذ عقود بين واشنطن والعواصم الخليجية كانت تقوم على معادلة واضحة: تدفق الطاقة ورؤوس الأموال من الخليج مقابل الحماية العسكرية الأمريكية. لكن التطورات الأخيرة أظهرت هشاشة هذه المعادلة عندما يتحول الحلفاء إلى متلقين لتداعيات قرارات استراتيجية لم يشاركوا في صياغتها.

في هذا السياق، يرى الباحث في العلاقات الدولية فواز جرجس أن الحرب الحالية قد تمثل نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي لدول الخليج. فهذه الدول، وفق تحليله، ستسعى على الأرجح إلى تسريع جهود تنويع شراكاتها الأمنية والدبلوماسية، إدراكاً منها أن الاعتماد الكامل على قوة واحدة لحماية مصالحها الحيوية لم يعد خياراً مضموناً.

كما تعيد الأزمة إحياء ذكريات حادثة هجوم الطائرات المسيرة على منشآت النفط السعودية عام 2019، التي تعرضت لها منشآت بقيق وخريص، عندما اتهمت واشنطن والرياض إيران بالوقوف وراء الهجوم دون أن تتطور الأحداث إلى رد عسكري أمريكي مباشر، وهو ما أثار آنذاك تساؤلات عميقة حول مدى التزام واشنطن بحماية حلفائها.

ويشير عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إلى أن الحرب كشفت حدود الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية وحدها، مؤكداً أن الدول الخليجية قد تضطر إلى إعادة هيكلة منظوماتها الدفاعية وتعزيز قدراتها الذاتية لمواجهة أزمات مستقبلية.

لكن المعضلة لا تقف عند حدود الحرب نفسها، بل تمتد إلى ما بعدها. فبعض المحللين يتحدثون عن سيناريو “الأسد الجريح”: أي أن انسحاب الولايات المتحدة من الحرب دون حسم كامل قد يترك إيران أكثر عدائية واستعداداً للانتقام، وهو ما قد يخلق دورة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة.

وفي الوقت ذاته، لا تخفي بعض الأصوات الاقتصادية في الخليج قلقها من كلفة الصراع. فقد طرح رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور تساؤلات علنية حول أهداف الحرب وتداعياتها الإقليمية، متسائلاً عما إذا كانت الحسابات الاستراتيجية قد أخذت فعلاً في الاعتبار كلفة جر الخليج إلى صراع ليس طرفاً فيه.

أما على صعيد الطاقة العالمية، فقد حذر أمين الناصر من أن أي تعطيل مستمر لحركة الشحن في مضيق هرمز قد يحمل عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية، خاصة في ظل تهديدات إيرانية بمنع مرور الصادرات النفطية إذا استمرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

في المحصلة، تكشف هذه الحرب عن تحوّل أعمق من مجرد مواجهة عسكرية. إنها لحظة مراجعة استراتيجية في الخليج، حيث بدأت النخب السياسية والاقتصادية تدرك أن معادلة الأمن الإقليمي التي حكمت المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة لم تعد مستقرة كما كانت.

فبين إيران التي لا تزال تمثل تهديداً جيوسياسياً دائماً، والولايات المتحدة التي تتخذ قراراتها وفق حساباتها الاستراتيجية الخاصة، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على أمنها واستقرارها دون أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد فقط مستقبل الخليج، بل ربما تعيد رسم ملامح التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بأكمله خلال السنوات القادمة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img