ذات صلة

أحدث المقالات

حين تنفجر البليدة ويصمت النظام: اختبار الحقيقة في ظل زيارة ليون الرابع عشر

في لحظةٍ كان يُفترض أن تُسوَّق باعتبارها لحظة انفتاح...

رئيس البرلمان العربي يدين بشدة المخطط الإرهابي الذي كان يستهدف دولة الكويت

أدان محمد بن أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي، واستنكر...

حين تنفجر البليدة ويصمت النظام: اختبار الحقيقة في ظل زيارة ليون الرابع عشر

في لحظةٍ كان يُفترض أن تُسوَّق باعتبارها لحظة انفتاح ديني ودبلوماسي، مع وصول بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون في قصر المرادية، انفجرت مدينة البليدة على وقع هجومين انتحاريين أعادا إلى الواجهة سؤال الأمن، الدولة، والذاكرة الثقيلة. غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط طبيعة الهجومين أو توقيتهما، بل ذلك الصمت الرسمي والإعلامي الذي أعقب الحدث، وكأن الدولة اختارت أن تدير ظهرها للحظة اختبار حقيقي.

المعطيات الأولية، رغم شحّها، تشير إلى هجومين متزامنين: الأول استهدف مقراً أمنياً داخل المجال الحضري، مخلفاً قتلى في صفوف الشرطة، بينما طال الثاني منشأة صناعية في المدينة نفسها. في كلا الحالتين، نحن أمام نمط عملياتي يعكس درجة من التنسيق والتخطيط، ويطرح تساؤلات حول اختراق أمني محتمل، خاصة وأن العملية وقعت على بعد أقل من خمسين كيلومتراً من العاصمة، وفي توقيت بالغ الحساسية سياسياً وأمنياً.

غير أن الحدث، في عمقه، لا يُقرأ فقط كواقعة أمنية معزولة، بل كمرآة لعلاقة معقدة بين السلطة والمعلومة. فالصمت الذي طبع تعاطي الحكومة ووسائل الإعلام الرسمية—من التلفزيون العمومي إلى وكالة الأنباء—لا يمكن فصله عن تقليد سياسي قائم على احتكار الرواية، حيث يُنظر إلى المعلومة باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، لا حقاً عمومياً. هذا الصمت لا يُلغي الحدث، بل يعيد تشكيله في وعي المواطنين، ويفتح المجال أمام روايات بديلة، غالباً ما تكون أقل دقة وأكثر قابلية للتهويل.

في المقابل، تحركت وسائل إعلام دولية ومنصات التواصل الاجتماعي لسد هذا الفراغ، معتمدة على شهادات وصور وفيديوهات نشرها ناشطون محليون. هنا، يتحول الفضاء الرقمي إلى “غرفة أخبار موازية”، لكنه أيضاً فضاء للفوضى المعلوماتية، حيث تختلط الوقائع بالتأويلات، وتغيب الحدود بين الخبر والإشاعة. إنها معادلة خطيرة: صمت رسمي يقابله تضخم غير مضبوط في السرديات البديلة.

توقيت الهجوم، المتزامن مع زيارة دينية ذات رمزية عالمية، يضع الأجهزة الأمنية في زاوية حرجة. فمثل هذه الزيارات تُفترض فيها أعلى درجات الجاهزية، ليس فقط لحماية الضيف، بل لتقديم صورة عن استقرار البلد. وبالتالي، فإن وقوع هجوم بهذا الحجم يطرح سؤال الكلفة الرمزية: كيف ستنعكس هذه الواقعة على صورة الجزائر خارجياً؟ وهل يمكن أن تؤثر على مسار الزيارة أو تُعيد ترتيب أولوياتها الأمنية؟

لكن البعد الأكثر عمقاً يتجاوز اللحظة الآنية، ليعيد استحضار ذاكرة العشرية السوداء، تلك المرحلة التي لا تزال حاضرة في الوعي الجماعي الجزائري. صحيح أن السياق اليوم مختلف، وأن الدولة استعادت جزءاً كبيراً من سيطرتها، لكن عودة العمليات الانتحارية داخل المدن تعيد طرح سؤال: هل نحن أمام حادث معزول، أم مؤشر على تحولات أمنية أعمق؟

في هذا السياق، يصبح الصمت الرسمي ليس مجرد خيار تواصلي، بل موقفاً سياسياً بحد ذاته. إنه يعكس رهانا على التحكم في الإيقاع، وتفادي خلق حالة ذعر، لكنه في المقابل يُضعف الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن، في غياب رواية رسمية واضحة، يجد نفسه مضطراً للبحث عن الحقيقة في أماكن أخرى، ما يعمّق فجوة الثقة ويُعيد تعريف العلاقة مع المؤسسات.

النتيجة أن ما حدث في البليدة لا يمكن اختزاله في حصيلة قتلى أو بيان أمني غائب. إنه اختبار مركب: اختبار لقدرة الدولة على إدارة الأزمات في زمن السرعة الرقمية، واختبار لمدى جاهزية المنظومة الأمنية، والأهم، اختبار لمدى قدرة السلطة على الانتقال من منطق “إخفاء المعلومة” إلى منطق “إدارة الحقيقة”.

في النهاية، قد يكون أخطر ما في هذا الحدث ليس الانفجار ذاته، بل الصمت الذي تلاه. لأن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على منع الأزمات، بل أيضاً بقدرتها على تفسيرها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img