ذات صلة

أحدث المقالات

فيتو موسكو وبكين يُسقط “أمن هرمز” ويكشف حربًا عالمية على طرق الطاقة

في لحظةٍ دولية مشحونة تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة، والدبلوماسية...

مباحثات مغربية – مصرية لزيادة حركة التجارة بين البلدين

استقبل الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية...

خارطة المغرب المبتورة في مؤتمر طرابلس 2026: سقطة بروتوكولية أم تحدٍّ دبلوماسي من حكومة الدبيبة؟

في سياق إقليمي مشحون بتقاطع المصالح وتضارب الأجندات، لم يعد ممكناً قراءة ما جرى في طرابلس باعتباره مجرد “سقطة بروتوكولية” عابرة. فحادثة عرض خريطة مبتورة للمملكة المغربية خلال مؤتمر أمني رفيع، تفتح الباب أمام تأويلات أعمق، تتجاوز ظاهر الحدث نحو ما يختبئ في طبقاته الجيوسياسية، حيث تتقاطع الحسابات الضيقة مع رهانات النفوذ في فضاء الساحل والمتوسط.

من حيث الشكل، جاء “مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط – 2026” تحت عنوان التنسيق الأمني لمواجهة الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والإرهاب. غير أن التفاصيل الصغيرة، التي غالباً ما تُهمّش في مثل هذه اللقاءات، كانت كفيلة بإثارة جدل واسع، حين ظهرت خريطة المغرب مبتورة من أقاليمه الجنوبية، في مشهد لا يمكن عزله عن سياق إقليمي يتسم بحساسية مفرطة تجاه قضية الصحراء المغربية.

لكن القراءة العميقة لا تقف عند حدود الخطأ التقني أو الإهمال البروتوكولي، بل تذهب أبعد من ذلك، لتطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام رسالة غير مباشرة في لحظة إعادة تشكيل التوازنات داخل ليبيا، أم مجرد ارتباك إداري في فضاء تتنازعه ولاءات متعددة؟

هنا، يستدعي المشهد استحضار الدور المغربي في الملف الليبي، وهو دور لم يكن هامشياً أو ظرفياً، بل تأسس منذ اتفاق الصخيرات الذي تحول إلى مرجعية دولية للحل السياسي. فقد اختارت الرباط منذ البداية التموضع كوسيط محايد، يراهن على الحوار بدل الاصطفاف، وهو ما تجسد لاحقاً في احتضان جولات حاسمة مثل تفاهمات بوزنيقة وحوار طنجة، التي ساهمت في إعادة بناء جسور الثقة بين الفرقاء الليبيين.

هذا الرصيد الدبلوماسي جعل من المغرب فاعلاً صامتاً لكنه مؤثر في هندسة التوازنات الليبية، خصوصاً مع مخرجات لجنة “6+6” في بوزنيقة سنة 2023، التي وضعت الأسس القانونية للانتخابات، وأعادت إحياء الأمل في مسار سياسي متعثر. لذلك، فإن أي إشارة تمس بوحدة التراب المغربي داخل فضاء رسمي ليبي، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا التاريخ من الانخراط البنّاء.

المفارقة تزداد حدة حين نضع الواقعة في سياق التقارب الأخير بين الرباط وطرابلس، خاصة في ظل حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي استفادت من دعم مغربي واضح في محطات دبلوماسية مهمة، من بينها مساندة ترشح ليبيا لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي سنة 2025. وهو ما يجعل “السقطة” تبدو وكأنها نشاز داخل لحن تقارب كان يتشكل بهدوء.

غير أن ما هو أعمق من العلاقات الثنائية، هو التحول الدولي في مقاربة ملف الصحراء المغربية، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797، الذي أعاد التأكيد على مركزية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأرضية واقعية للحل. هذا التحول لم يمر دون أن يثير حفيظة أطراف إقليمية اعتادت توظيف هذا الملف كورقة ضغط داخل معادلات النفوذ.

من هذا المنظور، يمكن قراءة حادثة طرابلس كجزء من “حرب رمزية” ناعمة، تُستخدم فيها الإشارات البروتوكولية والتمثلات البصرية كأدوات لإرسال رسائل سياسية مشفرة، خاصة في فضاء هش مثل ليبيا، حيث تتقاطع التأثيرات الإقليمية والدولية بشكل معقد.

ولعل الغياب المغربي عن هذا الاجتماع الاستخباراتي يضيف طبقة أخرى من الغموض، إذ يطرح تساؤلات حول طبيعة الدعوة، أو ربما حول حسابات الرباط في اختيار التوقيت المناسب للحضور أو الغياب. فالمغرب، الذي راكم خبرة في إدارة الملفات الحساسة، يدرك جيداً أن الحضور في بعض اللحظات قد يكون أقل تأثيراً من الغياب المدروس.

في العمق، لا يمكن فصل هذه الواقعة عن سؤال أكبر يتردد في الكواليس: هل ما يواجهه المغرب اليوم هو تعبير عن “حسد جيوسياسي” نتيجة تراكم النجاحات الدبلوماسية والاقتصادية، أم أنه مجرد ارتداد طبيعي لصعود قوة إقليمية تعيد رسم موقعها في الخريطة الدولية؟

الجواب، على الأرجح، يكمن في المنطقة الرمادية بين الاثنين. فنجاح المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، في تثبيت حضوره كفاعل موثوق في ملفات معقدة، من ليبيا إلى الساحل، جعله في مرمى تقاطعات لا ترحم، حيث تتحول كل إشارة، مهما بدت صغيرة، إلى جزء من لعبة أمم أكبر.

وهكذا، تتحول خريطة مبتورة في قاعة مؤتمر، إلى مرآة تعكس صراعاً خفياً على النفوذ والشرعية والتموقع، في زمن لم تعد فيه الجغرافيا مجرد حدود على الورق، بل لغة سياسية قائمة بذاتها، تُقرأ فيها التفاصيل كما تُقرأ العناوين الكبرى.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img