ذات صلة

أحدث المقالات

واشنطن تستعجل الحسم… مسار دبلوماسي جديد يضع نزاع الصحراء أمام اختبار القرار

في تحرك دبلوماسي لافت يعكس تحوّلاً في مقاربة إدارة...

موقف أوروبي حاسم يرسّخ شرعية الشراكة مع المغرب ويغلق باب التشكيك القانوني

في تطور يحمل دلالات سياسية وقانونية واضحة، حسم الاتحاد...

خطوة محسوبة أم مقامرة سياسية؟ اعتراف إسرائيل بصوماليلاند تحت مجهر الأمم المتحدة

جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن اعتراف إسرائيل بـ«صوماليلاند»… خطوة دبلوماسية أم مدخل لإعادة رسم خرائط إقليمية حساسة؟

يعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الاثنين بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، جلسة طارئة بطلب من الحكومة الصومالية، خُصصت لمناقشة تداعيات إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم صوماليلاند كـ«دولة مستقلة ذات سيادة»، في خطوة غير مسبوقة فجّرت موجة اعتراضات إقليمية ودولية، وفتحت باب تساؤلات أوسع حول خلفياتها وتوقيتها وحدودها القانونية والسياسية.

الاعتراف الإسرائيلي، الذي أُعلن عنه رسمياً نهاية الأسبوع الماضي، يضع تل أبيب في موقع الدولة العضو الأولى في الأمم المتحدة التي تقدم على كسر الإجماع الدولي القائم منذ أكثر من ثلاثة عقود، والقائم على اعتبار صوماليلاند جزءاً لا يتجزأ من جمهورية الصومال الفيدرالية، رغم الأمر الواقع الذي يفرضه الإقليم منذ إعلانه الانفصال من جانب واحد عام 1991.

في أول تفاعل رسمي داخل أروقة الأمم المتحدة، أكد المندوب الدائم لإسرائيل، داني دانون، أن بلاده ستواصل التحرك “بمسؤولية” داخل المنظومة الدولية، مع التشديد على تعزيز التعاون مع شركاء تعتبرهم مساهمين في “دعم الاستقرار الإقليمي”. غير أن هذا الخطاب، الذي يركز على مفردات الشراكة والاستقرار، لم يبدد المخاوف التي أثارتها الخطوة، خاصة في ظل غياب توضيحات قانونية دقيقة حول الأساس الذي استند إليه الاعتراف.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منح للقرار بعداً سياسياً أوسع، حين اعتبره منسجماً مع “روح اتفاقيات أبراهام”، في محاولة لربطه بمسار التطبيع الإقليمي، رغم أن السياق الإفريقي، بتعقيداته السيادية والهوياتية، يختلف جذرياً عن بيئات تلك الاتفاقيات. كما كشف عن توجيه دعوة رسمية لرئيس إقليم صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله، لزيارة إسرائيل، وهي خطوة رمزية تحمل دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى محاولة تكريس واقع سياسي جديد.

في المقابل، جاء الموقف الأمريكي متحفظاً بوضوح. إذ صرّح الرئيس دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة لا تعتزم السير على خطى إسرائيل، معبّراً عن تشككه في الأبعاد الجغرافية والسياسية للإقليم، ومطرحاً أسئلة ضمنية حول تداعيات الاعتراف على الاستقرار الإقليمي، في إشارة توحي بأن واشنطن، رغم تحالفها الوثيق مع تل أبيب، لا ترى في هذه المرحلة مصلحة استراتيجية في كسر الوضع القائم.

غير أن ما زاد من حساسية الملف، هو ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية، من بينها القناة 14، بشأن ارتباط محتمل بين الاعتراف بصوماليلاند وفرضيات تتعلق بإعادة توطين فلسطينيين من قطاع غزة في المنطقة. ورغم غياب تأكيدات رسمية، فإن مجرد تداول هذه السيناريوهات كان كافياً لإشعال ردود فعل غاضبة، بالنظر إلى ما تحمله من مساس مباشر بحقوق الفلسطينيين، وبسيادة دول إفريقية تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وسياسية.

في هذا السياق، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية، حيث أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات مع نظرائه في الصومال وتركيا وجيبوتي، أسفرت عن موقف موحد يرفض الاعتراف الإسرائيلي جملة وتفصيلاً، ويجدد الرفض القاطع لأي مخططات أو سيناريوهات تستهدف تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم.

أما مقديشو، فقد عبّرت عن موقف حازم، إذ أكد وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقّي أن بلاده “لن تقبل تحت أي ظرف” المساس بوحدة أراضيها، معتبراً أن أي حديث عن نقل الفلسطينيين إلى الأراضي الصومالية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، سواء تعلق الأمر بحقوق الشعب الفلسطيني أو بمبدأ احترام سيادة الدول.

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية الخطوة الإسرائيلية، ووصفتها بأنها امتداد لسياسات استعمارية تهدد السلم والأمن الدوليين، محذّرة من محاولات توظيف إقليم صوماليلاند كوجهة بديلة لتهجير سكان قطاع غزة، في سياق يعكس، بحسب البيان، سعياً لإعادة إنتاج الأزمة الفلسطينية خارج جغرافيتها الأصلية.

وتأتي جلسة مجلس الأمن، في هذا الإطار، كمحطة اختبار حقيقية لمدى تماسك الموقف الدولي تجاه هذا الاعتراف، ولقدرة المنظومة الأممية على الفصل بين حقائق الأمر الواقع وبين المبادئ القانونية الناظمة للعلاقات الدولية. كما تعكس تداخل الملفات بين القرن الإفريقي والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بما يحمله ذلك من مخاطر مضاعفة على استقرار منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية، وتوازنات إقليمية شديدة الحساسية.

في المحصلة، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي مجرد خطوة دبلوماسية معزولة، بقدر ما يندرج ضمن مشهد إقليمي ودولي معقّد، حيث تتقاطع الحسابات السياسية، والرهانات الجيوسياسية، والهواجس الإنسانية، في انتظار ما ستسفر عنه مداولات مجلس الأمن، وما إذا كانت ستعيد تثبيت قواعد الشرعية الدولية، أم ستكشف حدودها في مواجهة الوقائع الجديدة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img