في هذا الإعلان، لا تبدو الإمارات وكأنها تُقدِم على خطوة عسكرية بقدر ما تُدير لحظة خطابية دقيقة، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد ساعات فقط من بيان سعودي غير مسبوق في حدّته. القراءة النقدية هنا لا تتوقف عند قرار “سحب القوات”، بل تبدأ من كيفية قوله، ومن اللغة التي اختيرت لتأطير الحدث، وما تحاول أن تُثبته أو تنفيه في آن واحد.
أول ما يلفت الانتباه هو أن البيان الإماراتي يتعامل مع الزمن بوصفه أداة دفاعية. فالتأكيد المتكرر على أن “الوجود العسكري انتهى عام 2019” ليس مجرد معلومة، بل محاولة لإعادة ضبط خط الزمن السياسي، وفصل الحاضر المتوتر عن ماضٍ تقول أبوظبي إنها أغلقته مؤسسيًا منذ سنوات. بهذا المعنى، لا ينسحب النص من اليمن بقدر ما ينسحب من الاتهام: إذا كان الوجود العسكري قد انتهى سابقًا، فإن أي تطورات راهنة لا يمكن – وفق منطق البيان – تحميلها للإمارات.
لكن هذا التلاعب الزمني يصطدم بتناقض دلالي مقصود: فالبيان يعترف، في الوقت نفسه، بوجود “فرق مختصة” إلى حدود اليوم، ما يفتح سؤالًا غير مُجاب:
إذا كان الانسحاب قد تم فعليًا سنة 2019، فلماذا يصبح إنهاء “ما تبقى” الآن ضرورة ملحّة مرتبطة بـ“التطورات الأخيرة”؟
هنا يظهر ما بين السطور: الانسحاب ليس قرارًا تقنيًا، بل ردٌّ سياسي على سياق جديد، حتى وإن أُلبس لغة إجرائية.
اللغة المستعملة تكشف بدورها عن استراتيجية خطابية واضحة تقوم على ثلاث ركائز:
-
شرعنة الماضي:
عبر استحضار مفردات مثل “الشرعية”، “مكافحة الإرهاب”، “التضحيات الجسيمة”، يسعى البيان إلى تثبيت صورة أخلاقية لتدخل الإمارات، تحصّنه من أي قراءة نقدية لاحقة. هذه ليست مقدمة عاطفية، بل درع سردي يسبق القرار ويؤطره أخلاقيًا. -
تحييد الحاضر:
حين تُرجِع أبوظبي قرارها إلى “سلامة وفاعلية مهام مكافحة الإرهاب”، فهي لا تناقش جوهر الخلاف، بل تنقله من مستوى الصراع السياسي إلى مستوى التقييم المهني. هكذا يتم إفراغ اللحظة من بعدها التصادمي، وتقديمها كخيار عقلاني لا كاستجابة لضغط أو اتهام. -
تدويل القرار:
الإشارة المتكررة إلى “التنسيق مع الشركاء الدوليين” ليست تفصيلاً بروتوكوليًا، بل رسالة ضمنية مزدوجة:
– للخارج: الإمارات تتحرك داخل منظومة دولية مسؤولة.
– وللداخل الخليجي: القرار لا يُفهم فقط داخل ثنائية الرياض–أبوظبي، بل ضمن شبكة أوسع من الالتزامات.



