في مشهد سينمائي دولي يشهد تحوّلات متسارعة، أعلن مهرجان برلين السينمائي الدولي — أحد أرقى الملتقيات الفنية في العالم — عن تشكيلة لجان تحكيم دورته الـ76، المقرّر انعقادها بين 12 و22 فبراير 2026 في العاصمة الألمانية. وفي إعلان طغت عليه رمزية الموقع والتنوع الثقافي، جاء اختيار المخرجة وكاتبة السيناريو المغربية صوفيا العلوي كعضو في لجنة تحكيم قسم Perspectives المنوطة بمنح جائزة أفضل فيلم روائي طويل أول، وهي جائزة تحمل وزنًا نقديًا وفنيًا في مناخ السينما العالمية المعاصر.
القسم الذي تم اختياره فيه العلوي قد استُحدث بهدف أن يكون منصة احترافية للأصوات الجديدة في السينما الطويلة، وهو يسلّط الضوء على الأعمال الأولى التي تكشف عن رؤى قوية وغير تقليدية في السرد والتعبير البصري. وتمنح الجائزة الحائزة على 50 ألف يورو، برعاية شريك التمويل GWFF، دعمًا ملموسًا للمخرج والمنتج لبدء مسار مهني واعد. كما يحصل الفائز على منظار سينمائي احترافي — أداة تقنية ورمز تقديري يرسخ تجربة الفائز في عالم الصناعة السينمائية.
إن اختيار صوفيا العلوي لهذا الموقع ليس تصرّفًا بروتوكوليًا، بل حدثًا يعكس تنامي الاعتراف الدولي بالسينما القادمة من الجنوب، وبالأصوات التي تتحدّى الانحيازات الجغرافية والتقليدية في الصناعة. ففي السنوات الأخيرة، برزت أعمال من المنطقة المغاربية تتعامل بجرأة مع موضوعات الهوية والذاكرة والأسئلة الوجودية المعاصرة، بعيدًا عن أنماط التمثيل النمطي أو السرد الثقافي المرجّح. وقد أتاحت هذه الدفعة الجديدة من المخرجين والمخرجات العرب والافارقة والمسلمين حضورًا مستقلاً في أكبر المحافل الدولية، من بينها كان وبرلين وفينيسيا وسندانس — وهو حضور لا يقتصر الآن على العروض بل يمتد ليشمل المشاركة في صناعة القرار النقدي والفني نفسه.
صوفيا العلوي، ذات الخلفية المغربية–الفرنسية، حفرت لنفسها طريقًا فنيًا متميزًا بنبرة شخصية واضحة. أعمالها لا تكرّس الصدمة كمادة إخبارية بل تستدعي الحس الإنساني بعمق، وتلتفت إلى الهامش بصوت يحاول أن يفهم الوقائع قبل أن يرويها. وكما يشير النقاد، فإن استماعها إلى الذات والآخر داخل البنى السردية يجعلها تتجاوز حدود القضايا الضيقة إلى فضاءات أسئلة أوسع عن الذاكرة والهوية والوجود في عالم سريع التغير.
وجودها في لجنة التحكيم إلى جانب مخرج أوروبي بارز ومديرة مهرجان دولي مهم يعزز فرص نقاشات نقدية متعددة الزوايا حول أشكال السرد الجديدة والتجارب الجمالية الجريئة. وهذا بدوره قد يسهم في توسيع نطاق فهم التمثيل السينمائي، ليس فقط كفن بصري بل كحوار بين ثقافات وتجارب، بين من يروي ومن يُروى عنهم، بين القديم والجديد.
لا يمكن تحليل هذا الحدث بمعزل عن السياق الأكبر للسينما العربية والعالمية، حيث يشهد المشهد مؤخرًا ميلًا نحو تقدير الأصوات التي تضع الإنسان وقضاياه في قلب العمل الفني. ففي برليناله نفسها، يتجلّى هذا الاتجاه من خلال اختيار أفلام ومسارات تتناول هموم العائلة والذاكرة والعزلة الإنسانية في أعمال تعكس عالم اليوم بكل تناقضاته.
الرسالة التي يوجِّهها هذا الاختيار تتعدّى المكافأة الفردية؛ فهي إعلان ضمني بأن السينما المغربية والعربية ليست فقط قادرة على الإنتاج الإبداعي، بل على المشاركة الفاعلة في صياغة المعايير النقدية وترسيخها. ومن المتوقع أن تُسلَّم جائزة Best First Feature Award خلال الحفل الرسمي للجوائز في 21 فبراير 2026 في قصر برليناله، في دورة يُرتقب أن تكون حافلة بالاكتشافات والرهانات الجمالية الجديدة.
في هذه اللحظة، تبدو السينما كجسر بين ثقافات متعددة، والصوت المغربي — من خلال صوفيا العلوي — ليس محاولة للانفتاح فحسب، بل شهادة على صيرورة فنية تفرض وجودها وتساهم في إعادة تشكيل الذائقة السينمائية العالمية، من على منصّات العرض إلى قاعات النقاش وصناع القرار.