ذات صلة

أحدث المقالات

من مقعد في “الفيفا” إلى محاولة تفجير أزمة بين دولتين

كيف تحوّل خلاف انتخابي داخل الكاف إلى حرب مفتوحة...

صلابة الحكم الذاتي تُفشل مناورة واشنطن… حين دخلت البوليساريو امتحان الحقيقة

لم تكن “رحلة واشنطن” التي روّجت لها جبهة البوليساريو...

المغرب والسنغال: حين تتحول أزمة الملعب إلى شراكة استراتيجية

توقيع 17 اتفاقية في مجالات الاقتصاد والتعليم والفلاحة يؤكد...

منصة لبنانية: الجامعة الأمريكية في بيروت تمنع مسؤولة أممية من إلقاء محاضرة لتعاطفها مع الفلسطينيين

ذكرت منصة بيروت ريفيو الأخبارية اللبنانية، أنّ الجامعة الأمريكيّة...

كيف إستطاعت بوليوود فرض تجربتها السينمائية كمنافس شرس لهوليوود رغم الفوارق المادية الشاسعة؟

بمجرد ذكر إسم هوليوود في أي مجلس كان، يتبادر إلى أذهاننا مشهد سينمائي عالمي، حتى أصبح في زمننا هذا رهينا بوصف أغلب السلوكيات المبالغ فيها في الحياة العالمية، من قبيل مطاردة هوليوودية، مشاهد هوليوودية، وما شابهها، هذا طبعا ثمرة عمل استراتيجي طويل، يجمع بين الرؤى الإستراتيجية الإقتصادية والسياسية أيضا، مع رصد مبالغ مالية لا يمكن مقارنتها بكل إنتاجات العالم، حتى أصبحت استديوهات كاليفورنيا الملقبة بهوليوود، مهد السينما العالمية، واستولت على الصناعة السينمائية الضخمة متفوقة حتى على الدول الأوروبية منشأ السينما الأصلي، فأصبحت هوليوود محركا أساسيا للسياسة الخارجية الأمريكية، ومركزا أساسيا لصناعة القرار الأمريكي، مع قدرة خارقة على إقناع شعوب العالم بها، هذا طبعا، كلف الولايات المتحدة الأمريكية ملايير الدولارات، لكنه في المقابل حقق أرباحا مضاعفة، ومنحها هيمنة هادئة على المشهد السينمائي العالمي، الذي قدمها كقوة كونية.

ينتهي هذا الحلم الذي لم يعمر طويلا بمجرد ظهور منافس شرس للسينما الأمريكية، هذا المنافس كان العالم يتنبأ له بالفشل الدريع أمام القوة المالية والسياسية لهوليوود، فكيف لهذا المنافس الذي يعاني من أزمات اجتماعية وسياسية ومالية وحتى إيديولوجية وثقافية، أن ينافس أقوى الصناعات السينمائية العالمية؟

بدأت القصة عندما احترمت الهند كفاءاتها الوطنية، وقدرت مبدعيها، وجعلت منهم دعامات أساسية في صناعة السينما الهندية، ضاربة بعرض الحائط المصالح الضيقة للشخصيات القوية في البلد، ووضعت حدا للمحاباة والمجاملات في هذا المجال، فقد أحدثت ثورة سينمائية حقيقية من خلال منح صلاحيات كبرى لخبرائها ومهنييها ودووا التجارب والرؤى العالمية، فكانت النتيجة صناعة سينما عالمية استطاعت أن تقدم نفسها منافسا أولا للسينما الأمريكية، وتتفوق على أعتد الدول السينمائية في العالم بأسره، رغم قلة الموارد المالية، لكن الإيمان بقدرات الموارد البشرية المحلية، كانت كلمة الفصل والتفوق الهندي.

كان لابد من دراسة معمقة لنقاط قوة وضعف السينما الأمريكية، وإيجاد وصفة حاسمة لاكتساح هوليوود في عقر داره، وذلك ما استطاعت الهند الوصول إليه رغم أنه بدا مستحيلا في البداية، لكن الحكومة الهندية، كانت مؤمنة بقدرات روادها، ومنحتهم حرية الإبداع وصناعة المجد الهندي.

بدأ الأمر بقرصنة الإسم العالمي هوليوود، الذي يعتبر أقوى ما تملكه السينما الأمريكية، فهو علامتها التجارية الأغلى، فحرصت الهند على تقديم إسم مشابه تماما لهوليوود، يختصر عليها طريق بناء علامة تجارية جديدة، فاختارت اسم بوليوود، هذه القرصنة التي اعتبرتها عدد من الخبراء في بدايتها مغامرة مضحكة وبليدة، كانت الإنطلاقة الحقيقية للسينما الهندية، التي لا تملك لا تاريخ سينمائي ولا سبق صناعي في هذا المجال، ولا ميزانية كافية لخوض هذه المنافسة الصعبة، لم تكتفي بوليوود بقرصنة الإسم التجاري، بل قرصنت العلامة التجارية أيضا، وجعلت من شعارها نسخة طبق الأصل لشعار هوليوود، أمام إستهزاء وسخرية المهتمين، بما فيهم رواد هوليوود أنفسهم الذين لم يستشعرو خطر السينما الهندية القادم.

رغم هذا الاستنساخ البئيس، أصرت السينما الهندية على صناعة مكان شبيه باستديوهات هوليوود بكاليفورنيا، وثبتت عليه لافتة إشهارية شبيهة باللافتة المثبتة على مدخل استديوهات كاليفورنيا الأمريكية، حتى أصبح المتفرج على الإنتاجات الهندية الضعيفة جدا لا يكاد يفرق بين هوليوود وبوليوود.

استغلت بوليوود حملات الإستهزاء والسخرية للترويج لعلامتها التجارية المنافسة، وهي تشتغل في صمت رهيب على صناعة ثاني أقوى سينما عالمية بخطوات ثابتة،  حرصت بوليوود على إنتقاء مجموعة من الشخصيات الهندية الشبيهة بنجوم هوليوود الأمريكية، واخضعتهم لتكوين مهني صارم، حتى صاروا قادرين على خوض تجارب سينمائية باحترافية كبرى، وحرصت بوليوود على تدريبهم ليصبحوا نسخة طبق الأصل حتى في السلوك والحركات واللباس أيضا لنجوم هوليوود الأمريكية، هذه التجربة الذكية كانت نقطة التحول والحسم في السينما الهندية، فقد تفاجأ العالم بوجود إنتاجات هندية ناطقة باللهجة الأمريكية، وتتبنى مواضيع مغايرة للتوجه الهندي الكلاسيكي الذي تبنى المدرسة الاحتفالية، لكنه يحتفظ بالهوية الهندية، فاستطاعت إنتاجات بوليوود، إختراق القاعات السينمائية الأمريكية، وجذب الجمهور الأمريكي الذواق، وحققت مبيعات ضخمة في قلب الولايات المتحدة الأمريكية، وجعلت من نجومها الجدد، ترند عالمي ساهم بقوة في جعل السينما الهندية بوليوود، منافسا مباشرا لسينما هوليوود، رغم عدم توفره لا على ميزانيات عملاقة، ولا أجهزة تضاهي ما تتوفر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، ولا حتى على استوديوهات عملاقة كالتي تتوفر عليها هوليوود، واستطاعت أيضا حصد جوائز عالمية من بينها الأوسكار الأمريكي عن فيلم “Slumdog Millionaire” على سبيل المثال.

هذا ما دفع السينما الأمريكية إلى استقطاب السينما الهندية وجعلها شريكا بدل تركها خصما عنيدا قادرا على اعتلاء المراتب في زمن قياسي من شأنه الهيمنة بسهولة على الصناعة السينمائية العالمية، خاصة بعد تهافت كبار المنتجين والممولين العالميين لدعم السينما الهندية بوليوود.

هذه التجربة القوية، يمكن اعتبارها درسا عميقا للدول التي لازالت تبحث عن هوية سينمائية بين الكبار، وهي أيضا تجربة جديرة بالدراسة والتحليل، فقد تكون مفتاحا لنجاح سينمائي وطني كبير.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img