ذات صلة

أحدث المقالات

من مقعد في “الفيفا” إلى محاولة تفجير أزمة بين دولتين

كيف تحوّل خلاف انتخابي داخل الكاف إلى حرب مفتوحة...

صلابة الحكم الذاتي تُفشل مناورة واشنطن… حين دخلت البوليساريو امتحان الحقيقة

لم تكن “رحلة واشنطن” التي روّجت لها جبهة البوليساريو...

المغرب والسنغال: حين تتحول أزمة الملعب إلى شراكة استراتيجية

توقيع 17 اتفاقية في مجالات الاقتصاد والتعليم والفلاحة يؤكد...

منصة لبنانية: الجامعة الأمريكية في بيروت تمنع مسؤولة أممية من إلقاء محاضرة لتعاطفها مع الفلسطينيين

ذكرت منصة بيروت ريفيو الأخبارية اللبنانية، أنّ الجامعة الأمريكيّة...

كيف يمهّد المغرب طريقه إلى مونديال 2030: حين لا تُشترى الصورة، بل تُبنى بالعمل لا بالشعارات

لم تكن كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب مجرد بطولة ناجحة، بل كانت عرض قوة ناعمة مكتمل الأركان. عرضاً يقول للعالم – بلغة الملاعب والمطارات والفنادق والبث التلفزيوني – إن هذا البلد لم يعد يطرق باب الكبار، بل صار جزءاً من ناديهم.

الرباط، الدار البيضاء، طنجة، مراكش، أكادير، فاس… لم تكن مجرد مدن مستضيفة، بل مسارح دولة قررت أن تحوّل الرياضة إلى خطاب سيادي، وإلى أداة تموقع دولي. كل مباراة كانت رسالة، وكل رحلة قطار بين مدينتين كانت دليلاً، وكل ملعب حديث كان حجة.

هنا لم يكن السؤال: هل نجح التنظيم؟ بل: ماذا يريد المغرب أن يقول بهذا التنظيم؟

من بطولة إلى منظومة: المغرب يقدّم نفسه كدولة مُنظمة

النسخة المغربية من «الكان» لم تُبنَ على منطق التدارك، بل على منطق التخطيط. فالورش التي انطلقت منذ فوز المغرب بشرف التنظيم لم تكن مشاريع طوارئ، بل جزءاً من رؤية أكبر: شبكات طرق، سكك حديدية، مطارات، ملاعب، طاقات فندقية، منظومات أمنية ذكية… كلها صُممت بمنطق ما بعد 2025، أي بمنطق 2030.

هنا تكمن المفارقة الكبرى: المغرب لم ينظم كأس إفريقيا لأنه يريد إنجاح بطولة، بل لأنه يريد اختبار دولة. والاختبار نجح.

حين يعترف السوق قبل السياسة

الأرقام التي أعلنها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي شهادة سوق:

  • ارتفاع الإيرادات بأكثر من 90%

  • 23 راعياً بدل 9

  • اختراق أسواق جديدة في آسيا

  • توسّع غير مسبوق في حقوق البث

هذا يعني شيئاً واحداً:
العالم لا يستثمر في العواطف، بل في الثقة.

والثقة هنا لم تكن في كرة القدم الإفريقية فقط، بل في البلد الذي قرر أن يديرها بمعايير عالمية. فالرعاة لم يراهنوا على اللاعبين، بل على المنصة المغربية التي عرضت لهم منتجاً نظيفاً، منظماً، قابلاً للتسويق، وقابلاً للتكرار.

المدرب الإفريقي يعود… والقارة تستعيد صوتها

حتى على المستوى الفني، كانت البطولة بياناً سياسياً ناعماً. وصول منتخبات يقودها مدربون من أبناء القارة إلى نصف النهائي لأول مرة منذ ستة عقود ليس مجرد صدفة. إنه انعكاس لتحوّل في الثقة: ثقة إفريقيا في نفسها، حين تُدار في بيئة احترافية.

و127 هدفاً ليست رقماً عابراً، بل دلالة على كرة قدم تتحرر من عقدها، وتلعب بلا خوف، في ملاعب لا تخونها.

الرؤية الملكية: حين تتحول الرياضة إلى سياسة عمومية

في الخلفية، لم يكن هذا كله ليحدث لولا اختيار استراتيجي واضح: الملك محمد السادس جعل من الرياضة رافعة دولة، لا زينة دولة.

الاستثمار في الملاعب لم يكن رياضياً فقط. والقطارات لم تُبنَ من أجل المشجعين وحدهم.
والفنادق لم تُؤهَّل من أجل الفرق فقط.

بل من أجل مغرب يريد أن يكون:

  • وجهة

  • منصة

  • عقدة وصل بين إفريقيا وأوروبا

  • وشريكاً لا يمكن تجاوزه في خريطة الأحداث الكبرى

من “كان 2025” إلى “مونديال 2030”: الطريق صار مرئياً

بهذه النسخة من كأس إفريقيا، لم يعد ملف 2030 وعداً سياسياً، بل أصبح وقائع تشغيلية:

  • الدولة اشتغلت

  • المدن اشتغلت

  • المنظومات اشتغلت

  • السوق استجاب

  • والاتحاد الإفريقي صادق

والمعنى العميق هو هذا: المغرب لم يعد يطلب ثقة العالم، بل يعرض عليه نموذجاً.

الخلاصة

نسخة المغرب من «الكان» لم تكن حدثاً رياضياً، بل كانت لحظة سيادية ناعمة. لحظة قال فيها بلد إفريقي، بلغة الإنجاز لا الشعارات: نحن لا نبيع صورتنا، ولا نشتري الاعتراف. نحن نصنع الاثنين بالعمل.

وفي عالم يُقاس فيه الوزن بالقدرة على التنظيم، لا بعدد الخطب، نجح المغرب في أن يجعل من كرة القدم مرآة دولة تعرف إلى أين تمضي.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img