ذات صلة

أحدث المقالات

نيويورك تايمز: حلفاء أمريكا يتقربون للصين وفق شروط بكين

في صحيفة نيويورك تايمز، برز تحليل أجراه ديفيد بيرسون،...

افتتاح فعاليات الملتقى الثقافي المصري – المغربي بمكتبة الإسكندرية

افتتحت مكتبة الإسكندرية بمصر، فعاليات الملتقى الثقافي المصري المغربي،...

من مراكش إلى العالم… فيلم يهزم الكليشيه ويرفع الإنسان إلى الشاشة

تتويج فيلم «سماء بلا أرض» لا يمكن اختزاله في لحظة فنية عابرة، ولا في مجرد إعلان لاسم فائز في ختام مهرجان. ما حدث في مراكش كان أبعد من ذلك: كان اعترافًا بطرح سينمائي ينحاز للإنسان، ويعيد ترتيب الأسئلة المؤجلة التي نتجنب عادة مواجهتها. فالفيلم لا يقدم الهجرة كقضية، بل كبشر. لا يقدّم المهاجر كحالة اجتماعية، بل ككائن يبحث عن مكان تحت السماء، عن أرض لا تطرده، وعن حياة لا تنظر إليه كعارض جانبي في جغرافيا الآخرين. هذه المقاربة وحدها تكفي لتبرير الاحتفاء.

من الناحية الفنية، تذهب أريج السحيري إلى بناء سردية هادئة، لكنها مخيفة في صدقها، تضعنا أمام هشاشة الإنسان حين يجد نفسه بلا جذور. اختيارها لفضاء مغلق — منزل يجمع ثلاث مهاجرات وطفلة ناجية من الغرق — لم يكن اختيارًا إخراجيًا فحسب، بل كان اشتغالًا على رمزية المكان: بيت مؤقت، حياة مؤقتة، أحلام معلّقة… كل شيء في الفيلم مؤقت، حتى السماء تبدو بلا يقين. هذا الاشتغال الجمالي، القائم على الإيحاء أكثر من التصريح، هو ما منح العمل تلك الشاعرية التي تحدثت عنها لجنة التحكيم.

أما في السياق العربي والإفريقي، فالفيلم يأتي ليكشف مفارقة صادمة: نحن المنطقة الأكثر إنتاجًا للهجرة، والأقل إنتاجًا للأفلام التي تتناولها بعمق إنساني. غالبًا ما تسقط السينما في خطاب الشفقة أو في تعميمات سياسية جاهزة، لكن «سماء بلا أرض» ينجح في تحطيم هذا القالب، وفي جعل المهمّشين يروون أنفسهم بدون وسيط. وهذا أمر نادر. نادر إلى الحد الذي يجعل الفيلم ليس مجرد عمل فني، بل وثيقة حساسة عن حاضر المنطقة — حاضر يتغير بسرعة، وبكلفة بشرية مقلقة.

ردود الفعل الأولى داخل المهرجان تشير إلى أن الفيلم لامس الجمهور قبل النقاد. لم تُصفّق القاعة لأن الفيلم «جيد»، بل لأنه صادق. وهذا فارق أساسي. الصدق الفني هو ما يمنح العمل امتدادًا خارج قاعات العرض، ويجعله يعيش بعد انتهاء المهرجانات. كثيرون تحدّثوا عن تلك الطفلة الناجية من الغرق، عن نظرتها، عن الصمت الذي تحمله… كأنها لم تكن شخصية سينمائية بل مرآة تعكس شيئًا في داخل كل واحد منا: خوف ما، فقدان ما، أو ربما سؤال لم نجرؤ على طرحه.

في المحصلة، جاء تتويج «سماء بلا أرض» ليضع المهرجان نفسه في موقف ناضج: لقد اختار فيلمًا أزعج الأسئلة أكثر مما أرضى الإجابات، وفضّل عملًا ينحاز للإنسان بدل الانحياز للأسماء اللامعة أو الإنتاج الضخم. وهذا في حد ذاته إعلان عن تحوّل في الذوق الفني، وفي علاقة المهرجان بقضاياه الكبرى. فالسينما التي تفتح جرح المجتمع ليست مجرد فن… إنها مسؤولية. والمسؤولية تُكافأ دائمًا، عاجلًا أو آجلًا.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img