ذات صلة

أحدث المقالات

إعدام في جنين… حين يتحوّل الميدان إلى مساحة معلّقة خارج القانون

لم يكن تصريح مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة...

سالم بلال… عندما تتحوّل الصحراء إلى لغة دبلوماسية ويصبح الفيلم وثيقة عبور بين عوالم متقاطعة

قراءة جديدة في حضور المخرج الصحراوي ضمن الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم

مقدمة: حين يُصغي الفنّ لخطوات الرمل

في ركن «نبض طنجة السينمائي» الذي تقدّمه مجلة الدبلوماسية، نلتفت هذه المرة نحو صوت قادم من الجنوب، لا يرفع شعارات ولا يلهث وراء الضوء، بل يحمل كاميرا تحوّلت، على يده، إلى جسرٍ بين الإنسان والصحراء، بين الهوية والذاكرة، وبين الفن والدبلوماسية.إنه سالم بلال، المخرج الذي يشبه صوره إلى حدّ بعيد: هادئ الظاهر، ديناميكي الباطن، مُشبعٌ بفكرة أن الصورة ليست مجرد إطار، بل فعل تواصل حضاري، ورسالة دبلوماسية ناعمة تُمارَس بذكاء، وبعيدة كل البعد عن حسابات السياسة.

في حضرة هذا الفنان، يبدو أن السينما ليست فقط صناعة، بل أيضاً لغة تُكتب بالرمل والظلّ والضوء، وتُنصت لنبض الإنسان قبل ضجيج المدينة.

الجسم: رحلة مخرج يكتب بالصحراء ولا يكتب عنها فقط

من المسرح الحسّاني إلى عدسة تبحث عن الإنسان

لم يبدأ سالم بلال مساره من قاعات السينما ولا من معاهد الإخراج، بل من خشبة مسرح صغيرة في الجنوب الصحراوي، حيث كان يساعد الأطفال على اكتشاف أصواتهم وأجسادهم داخل الفعل المسرحي. هناك، في تلك اللحظات البريئة، بدأ يكتشف أن الحكاية أكبر من فكرة التمثيل… وأن الصحراء تخفي ما لا تقوله الجغرافيا.

شيئاً فشيئاً، قادته هذه الخلفية إلى بناء رؤية سينمائية تُنصت للحكايات الصغيرة: لخطوة الراعي، لقلق الإنسان في مواجهة الطبيعة، ولحكمة المكان الذي لا يتحدث كثيراً لكنه يُلهم كثيراً.

في عام 2016، حمل الكاميرا لأول مرة بوعي مكتمل؛ واليوم، بعد سنوات من التجارب، يبدو أن هذه الكاميرا صارت امتداداً ليده وروحه، وليست مجرد أداة تصوير.

“صُرّة الصيف”… من المحلية إلى العالمية

بين أعماله، يبرز فيلم “صُرّة الصيف” كوثيقة سينمائية تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه “الدبلوماسية البصرية”.
فهو فيلم يقترب من العزلة لا بوصفها هروباً من العالم، بل بوصفها موقع تأمل حول معنى العيش في الصحراء، وحول الارتباط بالفضاء المفتوح الذي يحوّل الإنسان إلى كائن يسمع نفسه أكثر.

نجاح الفيلم لم يكن فنياً فقط، بل كان أيضاً جسراً بين ثقافة الجنوب ومهرجانات العالم.
لقد جعل الجمهور العربي والأجنبي ينظر إلى الصحراء المغربية بعيون جديدة: لا كفراغ جغرافي، بل كذاكرة نابضة بالحياة.

مختبر الصحراء للسينما… إعلان استقلال فني

لا يخفي سالم بلال، في نقاشاته العامة، أن اشتغاله داخل “مختبر الصحراء للسينما” كان لحظة تأسيسية في مساره. فهو يدرك أن السينما الحسانية لسنوات طويلة لم تكن تملك منصّتها، ولا أدواتها، ولا سردياتها الخاصة.

وهو اليوم واحد من الأسماء التي دفعت بقوة نحو تحرير الصورة الصحراوية من الوصاية؛ نحو منح أبناء الأقاليم الجنوبية فرصة لتقديم أنفسهم دون وسيط، ودون أن يتم تقديم الصحراء كديكور أو كفلكلور.

■ سألته: كيف تُعرّف علاقتك بالصحراء سينمائياً؟

ابتسم قليلاً قبل أن يقول:
«الصحراء ليست موضوعاً بالنسبة لي… إنها طريقة تفكير.
إنها مساحة تمنحك الوقت كي تُصغي، وتمنحك الضوء كي ترى ما وراء الصورة.
لا أعتبر نفسي مخرجاً “يوثّق” الصحراء، بل مخرجاً يحاول أن يفهم الإنسان من خلال الصحراء.»

■ قلت له: كثيرون يصفون أفلامك بأنها تحمل بُعداً دبلوماسياً… هل توافق؟

هزّ رأسه بتروٍ:
«إن كانت الدبلوماسية هي القدرة على خلق حوار بين ثقافتين، فأنا أوافق.
الفيلم وثيقة حوار. حين يشاهد جمهور من مصر أو أوروبا حكايـة من الجنوب المغربي، فذلك شكل لطيف وفعّال من الدبلوماسية الثقافية.»

■ سألته: أين تضع “صُرّة الصيف” ضمن مسارك؟

أجاب بعد لحظة صمت قصيرة:
«هو الفيلم الذي سمح لي بأن أفهم أن المحلية ليست نقيض العالمية.
كلما اقتربت من التفاصيل الصغيرة لحياة الناس، كلما رأى العالم فيك جزءاً منه.»

■ قلت له: ما الذي تريده للسينما الحسانية اليوم؟

كان صريحاً في جوابه:
«أريدها أن تكون مستقلة. أن تكتب نفسها بنفسها.
أن يخرج أبناء الصحراء من دور “الكومبارس الجغرافي” إلى دور أصحاب الخطاب والرؤية.»

خاتمة: حضور يتجاوز المهرجان

في الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم، لا يحضر سالم بلال فقط كمخرج؛ بل يحضر كـ صوت جديد في مشهد سينمائي يبحث عن تنوعه، وكجسر يربط ما بين الفن والدبلوماسية الثقافية دون تكلف.

إنه مخرج يُشبه مكانه… هادئ كالرمل، صلب كالهضاب، ومتواضع كظل خيمة، لكنه يحمل داخله رؤية سينمائية واثقة:
رؤية تقول إن المغرب لا يمكن أن يختزل في محور واحد، وإن الصحراء المغربية ليست مجرد جزء من الخريطة، بل جزء من المعنى.

ومهما اختلفت زوايا القراءة، يبقى مؤكدًا أن حضور سالم بلال تحول إلى علامة من علامات هذه الدورة؛ ورمزٍ لفنان يُعيد صياغة العلاقة بين الهوية والصورة، بين المكان والفن، وبين المبدع والجمهور.

spot_imgspot_img