أعاد الوزير الجزائري الأسبق والمفكر المعروف بمواقفه النقدية من بنية الحكم في الجزائر، نور الدين بوكروح، فتح نقاش حساس حول مستقبل الدولة الجزائرية، حين شبّه المسار السياسي والاقتصادي للبلاد بما آلت إليه فنزويلا في ظل حكم نيكولاس مادورو، محذّراً من تراكب أزمات داخلية وخارجية تجعل الجزائر، مع مطلع سنة 2026، في وضع “سيئ داخلياً وخارجياً”.
تصريحات بوكروح وردت في تدوينة مطوّلة نشرها على حسابه بموقع فيسبوك، اختار لها صيغة السؤال: “هل الجزائر على خطى فنزويلا؟”، وهي صيغة توحي، أكثر مما تجزم، بمحاولة استقراء مسار لا يزال مفتوحاً، لكنه محفوف بمؤشرات مقلقة، وفق قراءته.
فنزويلا كمرآة سياسية
انطلق بوكروح في تحليله من التطورات التي شهدتها فنزويلا، معتبراً أن ما حدث هناك يُمثّل نموذجاً صارخاً لمآلات الحكم الاستبدادي، حين يفقد شرعيته الداخلية ويُستنزف غطاءه الخارجي. وبينما عبّر عن امتعاضه مما وصفه بـ“انتصار منطق القوة على القانون الدولي”، لم يُخف في المقابل اعتقاده بأن الأنظمة السلطوية قد تدفع ثمن ممارساتها وهي لا تزال في السلطة، في إحالة واضحة إلى فكرة المحاسبة المؤجلة.
في هذا السياق، لم يكن استحضار أسماء قادة سابقين – من نورييغا إلى القذافي وصدام ومبارك – مجرد استعراض تاريخي، بل محاولة لإبراز نمط متكرر: أنظمة ترفع شعارات السيادة والممانعة، لكنها تنتهي غالباً بعزلة دولية وانهيار داخلي، مع تحميل الشعوب الكلفة الأكبر.
ما وراء المقارنة: الريع والخطاب
اللافت في طرح بوكروح ليس التشبيه السياسي فحسب، بل تركيزه على القاسم المشترك بين الجزائر وفنزويلا، والمتمثل في الاعتماد شبه المطلق على الريع النفطي، مقابل عجز مزمن عن بناء اقتصاد منتج ومتنوع. فالصداقة التي تربط البلدين، وفق تعبيره، “عاطفية أكثر منها واقعية”، في ظل غياب تعاون اقتصادي فعلي، واكتفاء بخطاب أيديولوجي معادٍ للإمبريالية، لا ينعكس في سياسات تنموية ملموسة.
هنا، يلمّح بوكروح إلى ما يعتبره مفارقة مركزية: خطاب سيادوي وثوري في الظاهر، يقابله في العمق تضييق على الحريات، وتآكل للحقوق، واستعمال للشعارات كغطاء لإدارة سلطوية للأزمات.
الداخل الجزائري: مؤشرات ضغط صامتة
على المستوى الداخلي، رسم بوكروح صورة قاتمة للوضع الاقتصادي والاجتماعي، مستحضراً تراجع قيمة الدينار، واتساع السوق الموازية للعملة، ورفض إيداع السيولة في البنوك، إلى جانب احتجاجات قطاعية وإضرابات وارتفاع أسعار الوقود وانعكاساته على كلفة المعيشة.
ورغم أن هذه المعطيات ليست جديدة في حد ذاتها، إلا أن تجميعها في سياق واحد يوحي، في قراءة بوكروح، بأن البلاد تواجه ضغوطاً مركّبة، لا يمكن معالجتها بأدوات تقليدية أو خطاب تعبوي.
الخارج: ملفات مفتوحة وحساسة
أما خارجياً، فيتوقف بوكروح عند جملة ملفات يعتبرها تهديداً مباشراً لاستقرار الجزائر، من مطالبات حدودية، إلى اتفاقيات إقليمية مثيرة للجدل، مروراً بملفات حقوق الإنسان، واتهامات بدعم أطراف مسلحة في مناطق نزاع، وصولاً إلى قضايا تهريب المخدرات وتورط مسؤولين سابقين في ملاحقات قضائية خارج البلاد.
وما يضفي على هذه الملفات ثقلاً إضافياً، وفق التدوينة، هو تزامنها مع تحولات دولية متسارعة، تجعل هامش المناورة أضيق، وتُضعف قدرة الأنظمة الريعية على الاستمرار بنفس الأدوات.
تحذير لا نبوءة
في خلاصة طرحه، لا يقدّم بوكروح سيناريو حتمياً، بقدر ما يوجّه تحذيراً سياسياً مبكراً: سنة 2026 قد تشكّل محطة اختبار حاسمة للجزائر، إما مراجعة عميقة للخيارات الاقتصادية والسياسية، أو الدخول في مرحلة أكثر هشاشة، تبقى سيناريوهاتها مفتوحة على المجهول.
وبينما يترك الكاتب مسافة بين التشخيص والحكم النهائي، فإن تدوينته تعكس، في العمق، قلقاً من أن تتحول فنزويلا من مجرد حالة مقارنة، إلى مرآة محتملة، إذا استمر تجاهل مؤشرات الإنذار المبكر.