ذات صلة

أحدث المقالات

2300 أكيم وذكاء اصطناعي: كيف يقود الريف كازاخستان نحو الإصلاح والاستقرار

تسعى كازاخستان اليوم لتقديم نموذج جديد في الإدارة السياسية...

الملكية الروحية والدبلوماسية: قراءة في استراتيجية المغرب الدولية

المغرب والإقناع الروحي: حين يصبح الدين ورقة نفوذ في...

أي دور للدبلوماسية الشعبية في دعم الدبلوماسية الملكية المغربية؟

  حرصت الدبلوماسية الملكية المغربية منذ القدم على تعزيز مكانة...

حكومة مونديال 2026: كيف يعيد أوزين تعريف معنى الحكم ويستحضر «يوم الحساب»؟

هل يملك أحد الجرأة لقيادة “حكومة مونديال 2026” في...

أي دور للدبلوماسية الشعبية في دعم الدبلوماسية الملكية المغربية؟

 

حرصت الدبلوماسية الملكية المغربية منذ القدم على تعزيز مكانة المملكة وتقديمها كرائد للقارة الإفريقية، بينما تميزت في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتثمين هذه الجهود، من خلال تقديم المغرب كحضارة عريقة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فأصبح المغرب بذلك نموذجا للدول العريقة التي تواكب التطور وفق المنظور الأممي، مع الحفاظ على أسس التراث الثقافي الأصيل.

فالحضارة المغربية العريقة، استمرت بالتلاحم المنقطع النظير بين العرش والشعب في كل الحقب الزمنية، وهذا ما جعل المغرب متماسكا ومتضامنا، ممثلا بجسد واحد إلى يومنا هذا، إذ لم يسبق للشعب المغربي عبر التاريخ، أن كان خائنا لوطنه أو لعقد البيعة التي تربطه بالعرش العلوي الشريف.

فبالرجوع إلى مختلف محطات التوتر السياسي التي عاشها المغرب، شأنه شأن باقي دول العالم، لم نسجل في يوم من الأيام احتقانا بين العرش والشعب، فحتى في عهد الحماية الفرنسية، ظل الشعب المغربي وفيا لروابط البيعة الشريفة، رافضا لأي شكل من أشكال الحكم التي تخرج عن إمارة المؤمنين، فالعقد الإجتماعي الذي يربط المغاربة بالعرش العلوي، أسمى من كل القوانين والأعراف، حتى وصل إلى درجة الرباط الروحي، ولنا في ثورة الملك والشعب في 20 غشت 1953 على المستعمر الفرنسي بعد نفي جلالة المغفور له السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه، خير دليل على أن الشعب المغربي، ملكي بالوراثة، ولا يحتاج لدروس أو توجيهات خارجية، كما أن جميع التوترات الداخلية التي عاشها المغرب بعد الإستقلال، كان فيها الشعب المغربي وفيا للملكية باعتبارها المحور الأساسي الذي لامحيد عنه، ولم يستطع أحد عبر التاريخ أن يزعزع هذا الرباط الأصيل المتجذر.

وقد أكد هذا الترابط المتين، جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، حين قال علانية في خطاب العرش التاريخي يوم 3 مارس 1982 “أما المغاربة فأنا أعرفهم حق المعرفة فليسوا أكباش والله لو علموا أنني أسيرهم كما يسير بعض القادات شعوبهم كالأكباش والله لما أطاعوني” وهذا ما أكده جلالة الملك محمد السادس أعزه الله ونصره في الخطاب السامي بمناسبة الذكرى السادسة والستين لثورة الملك والشعب يوم الثلاثاء 20 غشت 2019 “لقد حرصنا على جعل المواطن المغربي في صلب عملية التنمية، والغاية الأساسية منها، واعتمدنا دائما، مقاربة تشاركية وإدماجية، في معالجة القضايا الكبرى للبلاد، تنخرط فيها جميع القوى الحية للأمة“.

فالمغرب قوي بتلاحم العرش والشعب، والمغاربة ملكيون حتى النخاع، وهذا سر النجاح المغربي.

فالدبلوماسية الشعبية، تبرز بشكل واضح في النموذج المغربي العريق، فهي مرتبطة ارتباطا أصيلا بالدبلوماسية الملكية المغربية، بل هي جزء منها، بحيث تحقق مبدأ نموذج الهوية المشتركة الذي نظر له “BENEDICT ANDERSON” ونموذج الشرعية الشعبية الذي نظرت له “HANNAH ARENDT” وهو ما يحيلنا على النموذج العام لهذه النظريات، الذي يصطلح عليه بنموذج دبلوماسية الشعب، الذي أسس له “EDMUND GULLION” الذي اعتبر أن العلاقات الدولية لا تدار بين الحكومات فقط، بل تدار بين الشعوب أيضا.

لكن أساس هذا النموذج، يتمثل في ضرورة التوافق بين توجهات الدولة والشعب، حيث يعتبر الشعب سفيرا للسلطة، وهذا بالتحديد النموذج المثالي للمملكة المغربية، فقد اعتبرت عبر العصور الدبلوماسية الشعبية المغربية، سفيرا غير رسمي للدبلوماسية الملكية المغربية، فبالإضافة إلى الالتحام والتوافق بين العرش والشعب المغربي الذي يعتبر سلوكا أصيلا لدى مغاربة العالم، ينال مغاربة العالم في مقابل ذلك، التقدير والإحترام لمجرد انتمائهم للمغرب، فمغربيتنا جواز سفر دبلوماسي رمزي، يفتح لنا كل القلوب والأبواب، فالمغربي رمز السلم والتسامح والكرم، وهذه المكانة، يكتسبها المغربي من عراقة المملكة المغربية وسلوكها المثالي الثابت مع كل الدول، بما في ذلك احترام الدول العدوة أيضا، وبالتالي فالمغربي يجد جميع الظروف ميسرة، والطرق معبدة له بجميع دول العالم، فكلما كان متشبثا بثوابته الوطنية، زادت قيمته داخل المجتمع الأجنبي الذي يعيش فيه.

لقد حرصت الشخصيات المغربية عبر التاريخ، والتي يمكن اعتبارها رموز الدبلوماسية الشعبية، على المساهمة بشكل كبير في تعزيز العلامة الوطنية للمملكة المغربية، فقد قدمت المغرب والمغاربة بصورة مشرفة، نذكر من بينهم “إبن بطوطة” الذي يعتبر أول رحالة في العالم، والذي أسس لمجموعة من مبادئ الدبلوماسية الشعبية بين الحضارات، وساهم بشكل فعال في التعريف بالقيم المغربية وخلق حوار وتواصل بين شعوب العالم، هذا ما جمعه في مؤلفه الشهير “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” والذي يعتبر مرجعا ورمزا للتفوق المغربي عبر التاريخ، كما أن “فاطمة الفهرية” تعتبر من رموز الدبلوماسية الشعبية المغربية، من خلال تأسيسها لأول جامعة شاملة ساهمت في تكوين أغلب علماء ومفكري وفقهاء العالم، فأصبحت بذلك جامعة القرويين تراثا عريقا، مؤثرا في العالم بأسره، وقد أسس “أبو القاسم الزهراوي” أسس الطب والجراحة الحديثة، والتي لازال العالم بأسره يعمل بها، وظل مؤلفه الشهير “التصريف لمن عجز عن التأليف” مرجعا أساسيا في دراسة الطب والجراحة، إضافة إلى “الحسن الوزان” الذي عبد الطريق للعمق الإفريقي، وكان من بين كبار الدبلوماسيين المغاربة، فقد ساهم مؤلفه التاريخي الشهير “وصف أفريقيا” في الإنفتاح والتواصل الإفريقي الحالي، لذلك لقب بـ “ليون الإفريقي“.

لقد حققت هاته الشخصيات الكبيرة إنجازات تاريخية، زادت من قيمة المغرب والمغاربة، وعززت العلامة الوطنية والحضارية للمملكة عبر التاريخ، لكنهم قبل تحقيق هذه الإنجازات، وجدوا في الدبلوماسية الرسمية دعامة قوية لمسارهم، وهو ما ميز ويميز المغاربة عبر العصور.

ودون الحديث عن المغاربة المعاصرين الذين ساهموا بدورهم في تعزيز العلامة الوطنية من خلال تقديم إنجازات متميزة وضعت المغرب في أعلى المستويات، أمثال “رشيد اليزمي” الملقب بأب بطاريات الليثيوم، إضافة إلى “كمال الودغيري” الذي يعتبر رائدا أساسيا من رواد وكالة الفضاء ناسا، و “منصف السلاوي” الخبير المغربي في الصناعات الدوائية الذي سطع نجمه خلال جائحة كوفيد 19، وأيضا المنتخب المغربي بكأس العالم المقامة بقطر سنة 2022 بقيادة “وليد الركراكي” الذي حقق أول تأهل لربع النهائي في تاريخ الدول العربية والإفريقية، وسوق للأخلاق العالية والخصال الحميدة للمغاربة، فاعتبر حافزا لباقي دول العالم، ليصبح المغرب رمزا للتحدي وتحقيق المعجزات، وهو ماساهم في تعزيز العلامة الوطنية المغربية، في إطار الدبلوماسية الشعبية، والتي ارتبطت دائما وأبدا بالدبلوماسية الملكية، التي دعمت المنتخب المغربي وهيئت له جميع الظروف الملائمة لتحقيق هذا الإنجاز، إضافة إلى الإستقبال الملكي السامي الذي كانت له دلالات دبلوماسية قوية، تكرس ارتباط الدبلوماسية الشعبية بالدبلوماسية الملكية الرسمية لتحقيق المستحيل.

ولا تفوتنا الفرصة في هذا المقال، لدعوة جميع المؤثرين والنجوم المغاربة، المتواجدون داخل وخارج المملكة المغربية، إلى العمل بجد واجتهاد على تعزيز العلامة الوطنية المغربية، باعتبارهم سفراء المغرب الشعبيين، وبالتالي فكل تصرفاتهم المرتبطة بانتمائهم للمغرب، تدخل في إطار الدبلوماسية الشعبية، فمكانتهم العالية وشهرتهم الكبيرة، مرتبطة بمغربيتهم التي بنتها الدبلوماسية الملكية الرسمية، من خلال السياسة الرشيدة للملوك العلويين، والحكمة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من المغرب دولة معاصرة تضاهي كبريات الدول المتقدمة، واستطاع بحكمته ورزانته العالية، تحقيق مكتسبات كبيرة، حسم المغرب من خلالها استكمال الوحدة الترابية المنشودة، وسد الطريق على كل المتربصين والمتاجرين في القضايا الوطنية، كما حافضت الدبلوماسية الملكية الرسمية، على صورة المغرب المضياف، المتميز بحسن الضيافة والكرم، وكل ماهو جميل، فاستطاعت كسب حب الخصوم قبل الأصدقاء، وأصبح المغرب اليوم ينافس الدول المتقدمة، ويشق طريقه نحو السمو إلى مرتبة الدول المتقدمة، هذه المجهودات الجبارة، بحاجة إلى دعم فعلي من الدبلوماسية الموازية، وعلى رأسها الدبلوماسية الشعبية، فنحن اليوم مطالبون جميعا، بدعم كل ماهو مغربي، ومناقشة مشاكلنا الداخلية بشكل حضاري، بعيدا عن كل ما قد يسيء لسمعتنا وعلامتنا الوطنية، وتحقيق المبدأ المغربي الأصيل المتمثل في تلاحم العرش والشعب، من أجل مغرب متطور وناجح، فالتظاهرات الرياضية التي ينظمها المغرب، وينجح في تنظيمها، هي قوة ناعمة، تخدم العلامة الوطنية للبلد، وتمهد الطريق لفتح أبواب النجاح والتألق السياسي، فمن الغريب أن نجد بعض المشاهير والإعلاميين، والمؤثرين، يسيئون للفريق الوطني مثلا، أو لممثلي المغرب في كل التظاهرات، بل تجد منهم من يطعن ويشكك في بعض المجهودات بشكل سلبي، يجعل منها حجة وبرهانا لأعداء الوطن للتقليل من مجهوداتنا الوطنية، اعلموا أن التضامن اللامشروط بين جميع الفئات، والترويج الإيجابي للإنجازات الوطنية أمام العالم، هو أهم دور تلعبه الدبلوماسية الشعبية في دعم الدبلوماسية الرسمية، كما أن سلوك المواطنين، والفنانين، وكل مكونات الشعب المغربي، هي عمل دبلوماسي مؤثر على صورة وسمعة المغرب، خاصة إذا تعلق الأمر بالشأن الدولي، فالدبلوماسية الشعبية لها دور أساسي وفعال في ترسيخ القيم الوطنية، وتكوين صورة المغرب والمغاربة لدى شعوب العالم، الذين يعتبرون المحور الأساسي لدولهم، سواء في أرض الواقع، أو عبر المواقع ووسائل الإعلام وباقي وسائط التواصل الإجتماعي ذات الإنتشار الواسع.

وهذا لا يعني التصفيق لكل شيء حتى لو كان على حساب المصلحة الفضلى للوطن، بل نحن مطالبون جميعا في إطار الدبلوماسية الشعبية، في دعم كل ماهو قادر على تنمية وتطوير البلاد، والمساهمة في تشجيع المنتوج الوطني حتى ينجح، ودعم المجهودات الجبارة للكفاءات الوطنية القادرة على تحقيق التميز والتألق، ومنحها الفرصة وتمكينها من ذلك، وفي المقابل، صد كل السلوكات التي تسيء للمغرب، والتي تحقق مصالح شخصية ضيقة على حساب المصلحة الفضلى للوطن، لأن الوطن ملك للمغاربة جميعا، والشعور بالانتماء، يجعلنا متحدين ومتضامنين وراء جلالة الملك محمد السادس نصره الله، من أجل دعم مبادراته الجبارة، التي تأخذ المغرب والمغاربة جميعا نحو الأمام تحت الراية المغربية،  فالدبلوماسية الملكية اليوم، تسير بسرعة قسوى نحو جعل المغرب بلدا متقدما، والدبلوماسية الشعبية مطالبة بمواكبة هذه الجهود، والإنخراط فيها، فكلنا مسؤولون أمام الأجيال القادمة، فنحن أمام فرصة ذهبية لكتابة التاريخ المغربي المعاصر، وإحياء أمجاد الأمة المغربية التي كانت ولا تزال متميزة عبر العصور، فكلنا سفراء للعلامة الوطنية المغربية، وقد حان الوقت للعمل سويا بكل مسؤولية ووطنية وتجرد لتحقيق الغايات الكبرى.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img