ذات صلة

أحدث المقالات

2300 أكيم وذكاء اصطناعي: كيف يقود الريف كازاخستان نحو الإصلاح والاستقرار

تسعى كازاخستان اليوم لتقديم نموذج جديد في الإدارة السياسية...

الملكية الروحية والدبلوماسية: قراءة في استراتيجية المغرب الدولية

المغرب والإقناع الروحي: حين يصبح الدين ورقة نفوذ في...

أي دور للدبلوماسية الشعبية في دعم الدبلوماسية الملكية المغربية؟

  حرصت الدبلوماسية الملكية المغربية منذ القدم على تعزيز مكانة...

حكومة مونديال 2026: كيف يعيد أوزين تعريف معنى الحكم ويستحضر «يوم الحساب»؟

هل يملك أحد الجرأة لقيادة “حكومة مونديال 2026” في...

الملكية الروحية والدبلوماسية: قراءة في استراتيجية المغرب الدولية

المغرب والإقناع الروحي: حين يصبح الدين ورقة نفوذ في اللعبة الدولية

من لندن، تجاوز التقرير الذي أعده معهد الحوار الاستراتيجي حدود الخبر إلى منطقة قراءة الأخاديد الاستراتيجية في “الدبلوماسية الدينية” للمملكة المغربية. وهو تقرير لا يصف مجرد مبادرات روحية، بل يرصد «صياغة تنافسية جديدة للنفوذ» في فضاءات تتداخل فيها الهويات الدينية مع المصالح الجيو-سياسية.

إذا أعدنا قراءة خلفيات هذا التقرير، فسنجد أن نقطة الانطلاق التي اعتمدها المعهد ليست معزولة عن المشهد المغربي في بداية الألفية: الهجمات الإرهابية التي هزّت الدار البيضاء في 2003. في تلك اللحظة، لم تُفهم الهجمات فقط كأحداث أمنية، بل بوصلت بوصلة ثقافية وروحية تقول إن البنية الدينية في البلاد تحتاج إلى تجديد داخليّ واستراتيجية خارجية في آن.

إذن الأمر لا يقتصر على محاربة الإرهاب بآليات أمنية، بل على إعادة تأطير خطاب ديني يطرح المغرب، في ضمير العالم الإسلامي، كنموذجٍ معتدلٍ ومتوازن. لم يأتِ هذا من فراغ. فقد وظّف المغرب تراثه التاريخي العريق في الإسلام المالكي–الأشعري، الذي لطالما اعتُبر إطارًا معتدلاً، في مواجهة التفسيرات الحرفية أو الصارمة.

لكن ما الذي يجعل هذا الإسلام المغربي مؤثرًا ليس فقط محليًا بل عبر الحدود؟

الشرعية الدينية كرافعة للسياسة الخارجية

يُشير التقرير إلى عنصر محوري: التكافلية بين الجهاز الديني والدولة. فالملك ليست مجرد رأس دولة في السياق الدستوري، بل أمير المؤمنين — وهو لقب تاريخي يمنحه سلطة روحية معترفًا بها لدى جمهور واسع من المسلمين. هذه الشرعية المزدوجة تُحوّل كل تحرك ديني رسمي إلى استراتيجية لها وزن سياسي ودبلوماسي، داخليًا وخارجيًا.

ولأن العالم المعاصر لا يقبل الفراغ، فقد اتجه المغرب إلى صياغة شبكات دينية عبر الحدود: من معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والرابطة المحمدية للعلماء، إلى مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تنشط في تشكيل بيئة فكرية مشتركة مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.

هذا التوسع لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط على أنه مسعى ثقافي أو دعوي؛ بل تحالف استراتيجي بين المصالح الوطنية والطموحات الجيو-سياسية. ففي إفريقيا، تكمن فرص اقتصادية وسياسية كبيرة للمغرب في عقد من العلاقات، وهذه الشبكات الدينية تصبح بمثابة جسور ثقافية قبل أن تكون مجرد أطر روحية.

المواجهة الاحترافية للأيديولوجيات المتطرفة

في المشهد الإقليمي والدولي، هناك لاعبون آخرون يستخدمون الدين كأداة نفوذ: من الأزهر المصري بشبكته العلمية، إلى تركيا من خلال دعم مؤسسات دينية، إلى الجزائر التي تعتمد على تيارات صوفية لتأطير جمهورها، وصولًا إلى مناهج تحليلية ترى في التمدد الشيعي تحديًا يستوجب مواجهته بمنظور أمني وروحي.

لكن المغرب اختار نهجًا له جذرية تاريخية — المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية — كقيمة مضافة في بنية خطاب ديني معتدل، يحاول تجسير الهوة بين النص والسياق الاجتماعي المتغير، وفي نفس الوقت مواجهة أي تيار يرى النص بمعزل عن النسق الحضاري للمجتمعات.

بين الهوية والدبلوماسية: قراءة بين السطور

إذا فهمنا الدبلوماسية الدينية كأداة ناعمة، فهي لا تعمل بمعزل عن تأثيرات القوة الصلبة. كيف؟ لأنها تعيد بناء “شرعية معرفية” في أذهان الجماهير والمراكز الفكرية قبل صناع القرار. في عالم يتجه فيه النقاش الديني إلى الهويات، تكون قدرة الدولة على تقديم خطاب متوازن ومعتدل مصدر قوة وليس مجرد واجهة.

وهنا يكمن الانفتاح الحقيقي: ليس فقط في بناء المساجد أو تدريب الأئمة، بل في تصدير رؤية للتدين المعتدل كإطار يمكن أن يتحاور مع التحديات المعاصرة — من التطرف إلى الانقسامات المجتمعية داخل الجاليات المغربية في أوروبا.

لكن علينا أن نعي أيضًا أن الدبلوماسية الدينية ليست فضاءً متناغمًا؛ إنها ساحة تنافس. ففي الوقت الذي يعزز المغرب شبكاته، يأتي خصوم إقليميون وإقليميون-عابرون، يتنافسون على نفس الجمهور وعلى نفس الرموز. وفي هذا الضوء، تكتسب المبادرات المغربية بُعدًا أعمق، فهي ليست مجرد تعاون ثقافي، بل نضال للتأثير في سياقات متعددة الطبقات.

خلاصة: خطاب يتجاوز الاعتدال

الدبلوماسية الدينية المغربية، كما يصورها التقرير البريطاني، أكثر من مجموعة نشاطات نفّذت في عالم مساحات الروح والإيمان. إنها تركيب ديناميكي يربط بين الشرعية الدينية، والسيادة الوطنية، والمكانة الدولية. ولا يمكن قراءتها بمعزل عن التجاذبات الجيو-سياسية المعاصرة، ولا عن الحاجة لخطاب ديني يجمع بين المرجعية التاريخية ومتطلبات العصر الحديث.

على هذا النحو، يصبح الدين ليس فقط أداة للتماسك الداخلي، بل **بوصلة تأثير في عالم متسارع»، حيث يُعاد تعريف القوة بطرق أكثر تعقيدًا وعمقًا مما كنا نظن.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img