على مرّ عقود، بقيت بعض النزاعات الإقليمية رمزية في العلاقات بين الرباط والجزائر، أكثر منها صراعات محصورة في بعد جيوستراتيجي ضيق. هذه النزاعات كانت مسرحًا لصراع أعمق حول الهوية السياسية، الذاكرة التاريخية، والموقع الاستراتيجي في النظام الدولي. ومع التحولات الجيوسياسية الأخيرة، أصبح واضحًا أن هذه الصراعات لا يمكن فصْلها عن مشهد عالمي سريع التغير، حيث يتحول التحالف من قوة داعمة إلى ورقة قابلة للانكسار بقدر ما هي قابلة للانتصار.
صعود المغرب وتراجع حلفاء الجزائر: نهاية حقبة، بداية أخرى
في السنوات الأخيرة، نجح المغرب في تعزيز موقعه الدولي ودعم مبادراته السياسية داخل المحافل الدولية، بما يشمل تقديم مقترحات للحكم الذاتي كمخرج سياسي واقعي للنزاعات الإقليمية، وتحقيق دعم واسع من بعض القوى الكبرى. هذه الخطوة تعكس قدرة الرباط على قراءة التحولات الدولية ومواءمة مصالحها معها.
في المقابل، تبدو الجزائر، التي راهنت لعقود على حلفاء لتوسيع دعمها لمواقفها الإقليمية، في موضع ضعف يشي بصمت أكثر من فعالية. الانهيار المفاجئ لنظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، الذي كان من أبرز الأصوات الداعمة لمواقف الجزائر في أمريكا اللاتينية، لا يعد حدثًا عابرًا؛ بل يرمز إلى نهاية حقبة تحالفات يمكن الاعتماد عليها في المحافل الدولية، ويُظهر هشاشة الاستراتيجيات التي ارتكزت على دعم خارجي ثابت.
يمكن قراءة هذا الصمت في سياق أوسع: ليس مجرد غياب تعقيب رسمي، بل انعكاس لهشاشة التحالفات التي بنتها الجزائر خارج محيطها الإقليمي، وسط تحولات متسارعة في النفوذ الإقليمي والدولي.
إيران وإعادة ترتيب أوراق النفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
على مسافة أبعد، يُعتبر الملف الإيراني مؤشرًا على ديناميات أوسع في النظام الدولي. واشنطن، التي أبدت استعدادًا للتصعيد العسكري تجاه طهران، تتعامل مع إيران ليس كعدو بعيد فقط، بل باعتبار نفوذها في عدة ساحات، من العراق وسوريا إلى حلفائها في المنطقة. الخطاب الأمريكي الأخير يرتبط باستراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ إيران الإقليمي، بما ينعكس على مصالح الدول التي كانت تقاطع السياسات الغربية أو تدعم بعض الجماعات الإقليمية.
في هذه البوصلة، يبدو أن التحالفات التقليدية التي كانت تُقرأ في سياقات ما بعد الحرب الباردة لم تعد صلبة كما كانت. العلاقات بين الجزائر وإيران، التي صاغت العديد من مواقفها السياسية بالتنسيق في ملفات حساسة، تصبح أكثر هشاشة أمام تقلبات السياسة الدولية وتناقض أولويات القوى الكبرى.
صمت الجزائر: هل هو تراجع عن خطاب الثورة أم إعادة ترتيب للورقة؟
الصمت الجزائري إزاء ما يسميه المراقبون “سقوط الحلفاء” ليس فراغًا خالياً من معنى، بل يمكن قراءته كإشارة ضمنية إلى إعادة تقييم فعالية الخطاب التقليدي، الذي لطالما ركز على مناهضة التدخل الخارجي والدفاع عن بعض القضايا الإقليمية.
هذا الصمت يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي لطالما ربط النزاعات الإقليمية بحق الشعوب في تقرير مصيرها. ويطرح السؤال الجوهرى: هل تدرك الجزائر أن ثقلها الدبلوماسي لم يعد محصورًا في قدرات الدعم التقليدي، بل مرتبط بقدرتها على قراءة التحولات الدولية الكبرى ومواءمتها مع مصالحها الواقعية؟
النظام الدولي الجديد وخيارات السياسة المغربية
في المقابل، يشهد المغرب فرصًا لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي، ليس فقط عبر حشد الدعم لمبادرات الحكم الذاتي، بل أيضًا عبر بناء تحالفات استراتيجية مع القوى الكبرى القادرة على إعادة رسم بنية العلاقات الدولية. دعم بعض القوى الكبرى لمسار الحل ومبادرات الرباط يعكس قدرة المغرب على تحويل التحولات الدولية إلى مكاسب دبلوماسية ملموسة.
هذه المرحلة التاريخية — التي تجعل من مقترح الحكم الذاتي أكثر قابلية للانتشار في المحافل الدولية — لا تقل أهمية عن محطات مفصلية في تاريخ السياسة الإقليمية، وهي تمثل فرصة لإعادة تعريف موازين القوة واستثمار التحولات الدولية بذكاء.
خاتمة: بين التاريخ والسياسة الواقعية
النزاعات الإقليمية ليست مجرد صراعات حدودية أو إرث تاريخي بلا نهاية؛ إنها ميدان تصادم بين رؤى مختلفة للسيادة والدولة والدور الدولي. في هذه اللحظة الحساسة، يتطلب المشهد السياسي قدرة الفاعلين الإقليميين على استيعاب التحولات الدولية الكبرى ومواءمتها مع مصالحهم الداخلية والإقليمية.
وفي نهاية المطاف، هذه الأراضي ليست مجرد مواقع جغرافية، بل مختبر للسياسات الواقعية وصياغة التحالفات الجديدة في عالم تتبدّل فيه القوى والتحالفات بوتيرة سريعة.