ذات صلة

أحدث المقالات

المغرب كـ”فلتر أمني” للمتوسط: ما وراء خطة العمل القضائية مع فرنسا

في لحظة سياسية وقضائية دقيقة، وقّع المغرب وفرنسا بالرباط...

نيويورك تايمز: حلفاء أمريكا يتقربون للصين وفق شروط بكين

في صحيفة نيويورك تايمز، برز تحليل أجراه ديفيد بيرسون،...

في ظلال تهديد آية الله علي خامنئي بحرب إقليمية: من تصعيد ترامب العسكري إلى رهانات واشنطن على مخرج تفاوضي

وسط أجواء توتر متصاعدة في المنطقة، وبمزيج من التهديدات العسكرية وردود الفعل الدبلوماسية، عاد ملف العلاقات الأميركية–الإيرانية إلى واجهة الأحداث الدولية. في مؤشر صارخ على مدى هشاشة هذا الملف، حذّر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي من أن أي ضربة شاملة من الولايات المتحدة لن تؤدي فقط إلى صراع ثنائي، بل ستشعل حربًا إقليمية تمتد في أرجاء الشرق الأوسط.

كلمات خامنئي لم تكن مجرد تحذير تقليدي. إنها محاولة لاستثمار تاريخ القلق الإقليمي من توسّع الصراع، لإعادة فرض فكرة أن اقتتالًا جديدًا سيكون أكثر من مجرد مواجهة بين دولتين؛ بل إشعال فتيل صراع ينخر علاقات دول المنطقة وأمنها الجماعي.

وفي المقابل، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الصحافيين وهو يواجه هذا التهديد بتوازن دبلوماسي دقيق بين القوة والآمال في المفاوضات. قال ببساطة: “بالطبع سيقول ذلك… نأمل أن نتوصل إلى اتفاق”، لكنه أضاف بحذر أن عدم التوصل إلى اتفاق سيكشف صحة أو خطأ تصريحات خامنئي.

هذا التصريح ربما يبدو متناقضًا لوهلة: من جهة يظلّ خيار استخدام القوة واردًا، ومن جهة أخرى لا يتمّ استبعاده من طاولة التفاوض. ترامب هنا ليس وحده في هذا الموقف؛ فهو يمثّل استراتيجية أميركية كلاسيكية في إدارة الأزمات — استعراض القوة ثم إتاحة مساحة خلفية للحوار.

أبعاد التوتر: أكثر من مجرد كلمات

لكن ما الذي يكمن وراء هذا التصعيد؟ الواقع أن التوتر لا يقف عند تهديدات لفظية، بل يتصل بسلسلة من الوقائع التي رسمت مسار العلاقات بين واشنطن وطهران في الأشهر الماضية:

  1. تعزيز عسكري أميركي كبير في المنطقة، شمل إرسال حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وأساطيل أخرى، في مؤشر على استعداد واشنطن لاستخدام الخيار العسكري إذا تصاعدت الأزمة.

  2. القمع الدموي في الداخل الإيراني: يشكل النزاع الداخلي في إيران — حيث تواصل قوات الأمن قمع الاحتجاجات في أنحاء البلاد — نقطة حساسية لدى واشنطن التي تستغل ملف حقوق الإنسان لتبرير موقف أقوى.

  3. الانقسامات الإقليمية والتدخلات الدولية: دول عدة تتخوف من اندلاع حرب قد تمتد تأثيراتها إلى حدودها، بينما تسعى بعض العواصم إلى لعب دور وساطة بين الطرفين لخفض التصعيد قبل أن يفوت الأوان.

هذه العناصر جميعها تجعل من التهديد الإيراني وردّ الفعل الأميركي نقطة جذب إعلامي وسياسي في آن واحد. فهي لا تتعلق فقط بصلب العلاقة بين قوتين عالميتين، بل باحتمال أن تتغير خريطة الصراع الإقليمي بشكل جذري.

الوساطة الإقليمية والدبلوماسية المعقّدة

الميزة اللافتة في هذا المشهد هي دخول أطراف إقليمية في محاولة لتحقيق توازن أو تفادي الانزلاق إلى صراع مفتوح. تقارير غربية تتحدث عن أن دولاً مثل قطر وتركيا ومصر تعمل كوسطاء لتيسير لقاءات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في قنوات دبلوماسية لا تزال نشطة رغم الضوضاء الإعلامية والتصريحات المتبادلة.

الهدف من هذه الوساطة هو إعطاء ما يسمى “مخرجًا دبلوماسيًا” للطرفين: الحفاظ على ماء الوجه لدى طهران أمام ناخبيها، وفي الوقت ذاته تقليل احتمال أن تُستخدم الضربة العسكرية كأداة حقيقية إذا لم تنجح المفاوضات.

لكن المراقبين يشيرون إلى أن هذه المفاوضات — التي يبدو أنها مركّزة بشكل أساسي على البرنامج النووي الإيراني — قد لا تكون كافية لإزالة كل نقاط التوتر، خاصةً فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي.

من التهديد إلى الحافة: ما القادم؟

في نهاية المطاف، يقف العالم اليوم عند مفترق طرق حقيقي. من الممكن أن تمثل تصريحات ترامب وتجاوب إيران معها بداية حوار جديد يبعد شبح المواجهة عن المنطقة. وفي ذات الوقت، فإن استمرار التهديدات وإن كان بصيغة حديثة، يشير إلى أن العلاقات بين واشنطن وطهران ما تزال تُدار بأسلوب مزج الخشونة بالقفز نحو الدبلوماسية.

التاريخ يعلمنا أن مثل هذه اللحظات — حينما تتلاقى القوة مع التفاوض — غالبًا ما تكون لحظات تحوّل في مسار العلاقات الدولية. لكنها أيضًا قد تكون بوابة نحو صراع أوسع إذا ما أخفقت الجهود الدبلوماسية. ما بين هذين الخيارين يقف الشرق الأوسط اليوم، مترقبًا ما ستسفر عنه الأيام القادمة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img