أصبحت مفاوضات الملف النووي الإيراني خلال العامين الأخيرين من أكثر القضايا السياسية والأمنية تأثيرًا في الشرق الأوسط والعالم. فبعد موجة من التوترات العسكرية، والانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي السابق، أعيد فتح قناة التفاوض بين واشنطن وطهران في 2025، واستمرت محادثات جديدة مع بداية 2026 في محاولة لكسر الجمود بين الطرفين.
تحليلنا التالي يستعرض أبرز المحطات والتطورات حتى 16 فبراير 2026، مع تقييم لمآلات التفاوض وأثره على الاستقرار الإقليمي والدولي.
خلفية الأزمة ومسار المفاوضات منذ 2025
بعد سنوات من التوتر المتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني، لم تُعد مفاوضات 2015 (اتفاق JCPOA) فاعلة بعد انسحاب إدارة سابقة أمريكية ومدرّجات عقابية عالية أُعيد فرضها. في 2025، أعادت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إطلاق حوار غير مباشر مع طهران عبر وسطاء في عُمان وعدد من الدول الإقليمية، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة تقود إلى اتفاق جديد.
الجيل الجديد من المفاوضات أخذ شكل جولات متعددة حتى يناير–فبراير 2026، أبرزها:
- انطلاق الجولة الأولى في مسقط بوساطة عمانية، حيث اجتمع ممثلون من الجانبين في حوار غير مباشر، واتُفق على مواصلة المفاوضات في جولات لاحقة.
- موافقة الطرفين على استمرار المحادثات رغم التوترات العسكرية والتهديدات المتبادلة.
وهذا المسار يشير إلى رغبة متبادلة – وإن كانت مترددة – في إبقاء القناة الدبلوماسية مفتوحة، وهو تحول مهم بعد سنوات من الجمود.
نقاط الخلاف الأساسية
ملف التخصيب ومخزون اليورانيوم
لا يزال مستوى تخصيب اليورانيوم الإيراني أحد أهم العقد في المفاوضات. طهران تؤكد أن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وسياساتها حوله تمثل “خطًا أحمر” يتعلق بسيادتها، مع إشارة إلى إمكانية تخفيف مستوى التخصيب مقابل تخفيف العقوبات.
وبالنسبة لواشنطن، فإن تقليص قدرات إيران على التخصيب إلى مستويات آمنة وقابلة للتحقق هو شرط أساسي لأي تفاهم، باعتباره الوسيلة الوحيدة لمنع طهران من المسار نحو السلاح النووي. وهو ما لا تزال إيران تُبقي على تحفظات بشأنه.
مطالبة واشنطن بربط النووي بملفات أخرى
أظهرت الإدارة الأمريكية ميلًا لربط الاتفاق النووي بمطالب أوسع تتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، وهو ما ترفضه إيران كونه خارج نطاق الاتفاق النووي.
تأثير التوترات العسكرية على مسار التفاوض
التفاوض لم يجرِ في فراغ سياسي بارد؛ إذ ترافقت المحادثات مع:
- نشر حاملة طائرات أمريكية ثانية في منطقة الشرق الأوسط كرسالة ضاغطة على إيران.
- تحركات إيرانية وإسرائيلية متزامنة قبل جولة مفاوضات جديدة تعكس الاهتمام المتنامي بالملف النووي في المعادلات الإقليمية.
- تصريحات تحذيرية من الجانبين قبل جولة التفاوض، إذ حذرت إيران من أن الحرب ستنهي الهيمنة الأمريكية، ما يُظهر تصاعدًا في الخطاب السياسي قبيل الجلسات.
وهذه العوامل أضفت صبغة أكثر واقعية على المفاوضات، إذ بات كل طرف يستخدم أدوات الضغط التقليدية في السياسة الدولية — الدبلوماسية والعسكرية — لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة.
مواقف القوى الإقليمية والدول الوسيطة
تلعب دول مثل سلطنة عمان وقطر دور الوسيط البنّاء بين أمريكا وإيران، محاولة خلق مناخ دبلوماسي بعيدًا عن التوترات المتصاعدة في المنطقة.
في المقابل، تبدي دول إقليمية أخرى مواقف متفاوتة؛ بعض الحلفاء الخليجيين داعمون للمفاوضات بشرط ألا تعزز الاتفاق قدرات إيران الإقليمية، بينما ترى بعض العواصم الأوروبية أن الحوار هو السبيل الوحيد لتقليل المخاطر النووية.
ماذا يعني هذا بمفردات الواقع الدولي؟
أولًا: نجاح محتمل لكنه هش
على الرغم من أن الجولة الأولى في مسقط وصفت بـ”الإيجابية”، فإن الاختلافات الجوهرية حول التخصيب والصواريخ والملفات الإقليمية تُبقي احتمالات التوصل إلى اتفاق نهائي ضئيلة نسبيًا على المدى القصير.
ثانيًا: فرضية استمرار التوتر
في حال فشل المفاوضات، فإن الإدارة الأمريكية لا تستبعد الانتقال إلى خيارات أكثر صرامة بما في ذلك الضغط العسكري الدبلوماسي و”عواقب غير مرغوبة” كما أشار ترامب في تصريحات مؤخّرة.
ثالثًا: تأثير على أسواق الطاقة
تُترجم مخاطر التصعيد والتعثّر في التوصل لاتفاق إلى تقلبات في أسواق النفط، ما يجعل ملف المفاوضات النووية ليس فقط أمنًا دوليًا بل عاملًا اقتصاديًا عالميًا مع تأثيرات ملموسة على الأسعار.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
استمرار الحوار وتوسيع نطاقه التقني
قد تتحول المفاوضات إلى صيغة تفاوضية أكثر تقنية يشرف عليها خبراء نوويون، ما قد يمهّد لإطار تفاهم تدريجي.
تعثّر وتعليق مؤقت
التوترات العسكرية وتصاعد الخلافات يمكن أن يعيد المفاوضات إلى حالة الجمود التي سبقت 2025.
مسار متعدد الأبعاد
محاولة واشنطن ربط النووي بملفات واسعة قد يفتح الباب أمام صفقة أوسع نطاقًا، لكنها معقّدة وغير مضمونة النتائج.
وبالمحصلة، تعتبر مفاوضات 2025–2026 بين الولايات المتحدة وإيران في الملف النووي محطة مهمة في العلاقات الدولية الحديثة. رغم الخطوات الدبلوماسية الإيجابية التي شهدتها جولات التفاوض الأخيرة في عُمان، يبقى الطريق نحو اتفاق شامل طويلاً ومعقّدًا، خصوصًا في ظل تداخل الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية. الإبقاء على الحوار المفتوح حتى الآن يعطي بارقة أمل لتهدئة محتملة، لكن التحديات الجوهرية على الأرض لا تزال علامات استفهام كبيرة أمام صانعي القرار في كلا الطرفين.



