تُعد الولايات المتحدة من أبرز مؤسسي منظومة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لعبت دورًا محوريًا في تأسيسها ودعمها ماليًا وسياسيًا طوال عقود. لكن منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025 لولاية ثانية، شهدت العلاقة بين واشنطن والأمم المتحدة تقلبات عميقة، امتدت لتطال التمويل والمشاركة في مؤسسات واسعة ضمن منظومة الأمم المتحدة.
تغيّر جذري في النهج الأمريكي تجاه الأمم المتحدة
الانسحاب من عدد كبير من المنظمات الدولية
في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، أعلنت إدارة ترامب في يناير/ كانون الثاني 2026 انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة واتفاقية دولية تتصل بمنظومة الأمم المتحدة أو تعمل في إطار التعاون الدولي، من بينها مؤسسات متعلقة بالمناخ والعمل والهجرة، وفقًا لـ يورو نيوز.
ووصف البيت الأبيض هذه الخطوة بأنها انسحاب من منظمات غير ضرورية أو “تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية”.
يشمل الانسحاب وقف المشاركة والتمويل عن برامج عدة ذات أهمية في مجالات مثل المناخ والعمل والفئات المهمشة، ما يؤثر مباشرة على قدرة الأمم المتحدة على تنفيذ برامجها، بحسب أسوشيتدبرس.
التقليل من دور الأمم المتحدة مقابل دعم بدائل أمريكية
إدارة ترامب لم تكتفِ بالتراجع عن التعاون الدولي فحسب، بل حاولت إعادة هندسة دورها العالمي عبر مبادرات بديلة، أبرزها إنشاء ما أسماه ترامب “مجلس السلام” أو “Board of Peace” الذي يقترح أن يكون بديلًا أو مكملًا عن دور الأمم المتحدة في مناطق النزاع مثل غزة.
هذه المبادرة اتُّخذت طابعًا مؤسساتيًا جديدًا في عام 2026 واعتُبرت محاولة لتقليل الاعتماد على أجهزة الأمم المتحدة، مع الإعلان عن مشاركة دول وتبرعات ضخمة تحت مظلة “مجلس السلام” بعيدًا عن الأطر التقليدية.
التمويل الأمريكي لمنظومة الأمم المتحدة
الولايات المتحدة أكبر مساهم—لكن مع تأخيرات وتخفيفات
حتى فبراير/ شباط 2026، لا تزال الولايات المتحدة أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة، لكنها تركت وراءها سجلًا من المديونية المتراكمة وزادت من تأخيرات الدفع في الميزانيات الأساسية وميزانيات حفظ السلام.
جزئيًا دفعت إدارة ترامب مبلغًا محدودًا من الأموال المتأخرة، بينما بقيت مئات ملايين الدولارات غير مدفوعة، ما خلق أزمة مالية في منظومة الأمم المتحدة وهدد تنفيذ عمليات أساسية.
تركيز التمويل على أولويات أمريكية
إدارة ترامب أعادت توجيه التمويل الدولي نحو مشاريع ترى أنها تخدم الأمن القومي الأمريكي أو مصالح استراتيجية، مثل مبادرات إعادة الإعمار في غزة بتمويل أمريكي وجزء من تبرعات دولية، دون أن تعتمد على آليات الأمم المتحدة التقليدية.
السياسات الأمريكية داخل مجلس الأمن والجمعية العامة
مواقف حادة في الاجتماعات الدولية
في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول/ شتنبر 2025، ركز ترامب على تعزيز قوة الولايات المتحدة وتجاهل بعض أولويات الأمم المتحدة مثل الهجرة وتغير المناخ، ووجّه انتقادات لاذعة لأسلوب التعاطي مع تلك القضايا.
استخدام حق الفيتو والدور في مجلس الأمن
الولايات المتحدة استخدمت، بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، حق الفيتو في مناسبات كانت ترى فيها أن القرارات لا تتماشى مع مصالحها، خصوصًا في ملفات كبرى مثل النزاعات الإقليمية وقرارات تتعلق بفلسطين.
نقد داخلي وخارجي لمواقف الإدارة
تحليلات دولية عديدة اعتبرت أن سياسات ترامب تضع منظومة الأمم المتحدة في موقف صعب وقد تقوض قدرتها على تحقيق أهدافها. يقول نقاد إن هذا التراجع النوعي في الالتزام متعدد الأطراف يقوّض الجهد الجماعي تجاه قضايا عالمية مثل تغير المناخ وحقوق الإنسان والتنمية.
انعكاسات على نظام عالمي متغيّر
تأتي هذه التحولات في سياق عالم يشهد إعادة ترتيب للنفوذ الدولي، مع صعود قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، وتراجع الدور الأمريكي الكلاسيكي في بعض المجالات. بعض المحللين يرون أن استراتيجية ترامب تميل إلى تقويض النظام الدولي القائم الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لصالح نظام أكثر تنافسية وسيادية.



