ذات صلة

أحدث المقالات

حين يستخدم حزب فوكس اسم المغرب والمهاجرين لإثارة الناخبين: المغاربة يتساءلون لماذا لا نملك خطابًا دفاعيًا مماثلًا داخل بلادنا

لماذا يملك الآخرون لوبيات سياسية تدافع عن مصالحهم… بينما يظل المغرب غالباً موضوعاً في خطاب الآخرين؟

في كل مرة تحتدم فيها المعارك الانتخابية داخل إسبانيا، يعود اسم المغرب إلى الواجهة، ليس باعتباره شريكًا استراتيجيًا في الضفة الجنوبية للمتوسط، بل كعنوان في خطاب سياسي يسعى إلى استقطاب الناخبين. أحدث هذه الحلقات جاءت مع تصريحات زعيم حزب Santiago Abascal، قائد حزب Vox اليميني، الذي هاجم رئيس حكومة إقليم Castilla y León Alfonso Fernández Mañueco مستعملاً لقباً ساخراً يمزج بين اسمه واسم المغرب. عبارة بدت للوهلة الأولى مجرد نكتة سياسية ثقيلة الظل، لكنها في العمق تعكس ظاهرة أوسع بكثير: تحويل المغرب إلى عنصر في الصراع السياسي الداخلي داخل Spain.

هذه ليست المرة الأولى التي يُستعمل فيها اسم Morocco في الخطاب الانتخابي الإسباني. فمنذ سنوات، جعل حزب فوكس من ملف الهجرة أحد أهم أدواته السياسية، رابطًا بين وصول المهاجرين إلى السواحل الإسبانية وبين ما يسميه “فشل السياسات الحكومية” في حماية الحدود والهوية الوطنية. وفي هذا السياق، يتحول المغرب إلى رمز سياسي في خطاب الحزب: رمز للهجرة، وللحدود، وللخوف من التحولات الديموغرافية.

غير أن قراءة أعمق لهذا الخطاب تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد نقاش حول الهجرة. فداخل جزء من اليمين الأوروبي، وخاصة في إسبانيا، توجد سردية تاريخية تعيد إحياء صور قديمة من الذاكرة الجماعية، حيث يُستحضر الماضي الأندلسي أو مرحلة “الاسترداد” بوصفها خلفية رمزية للصراع. هكذا يصبح المغرب، في بعض الخطابات الشعبوية، أكثر من مجرد جار جغرافي؛ يصبح صورة رمزية للجنوب الذي يجب الحذر منه، أو للحدود التي يجب تشديدها.

لكن المفارقة الكبيرة تكمن في أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في إسبانيا يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالمغاربة يمثلون إحدى أكبر الجاليات الأجنبية العاملة في البلاد، ويلعبون دورًا مهمًا في قطاعات أساسية مثل الزراعة والبناء والخدمات. وبعبارة أخرى، فإن الاقتصاد الإسباني يستفيد من وجود هذه اليد العاملة، بينما تتحول نفس الفئة أحيانًا إلى مادة في الحملات السياسية.

في هذا السياق، يبرز سؤال أعمق يتجاوز الجدل السياسي الإسباني نفسه: لماذا يتحول المغرب في كثير من الأحيان إلى موضوع في الخطاب السياسي الأوروبي، بدلاً من أن يكون طرفًا يمتلك أدواته الخاصة للتأثير في هذا الخطاب؟

الدول الكبرى عادة ما تمتلك شبكات تأثير متعددة: لوبيات اقتصادية، مراكز أبحاث، جماعات ضغط إعلامية، وشخصيات سياسية أو فكرية تدافع عن مصالحها في الخارج. هذه الأدوات لا تعمل دائماً عبر الحكومات الرسمية، بل عبر فضاءات المجتمع المدني والإعلام والسياسة. وفي كثير من الأحيان، تكون هذه الشبكات قادرة على تعديل الصورة العامة للدولة أو الرد على الخطابات العدائية.

أما في الحالة المغربية، فالدولة تعتمد تقليدياً على الدبلوماسية الرسمية والمؤسساتية، وهي دبلوماسية حققت نجاحات مهمة في ملفات عديدة. غير أن المعارك السياسية والإعلامية في أوروبا تُخاض في ساحات أخرى أيضاً: في الإعلام، وفي الأحزاب، وفي النقاشات العامة التي تشكل وعي الرأي العام.

ومن هنا يطرح بعض المراقبين سؤالاً استراتيجياً: هل يحتاج المغرب إلى تطوير حضور سياسي وفكري أقوى داخل الفضاء الأوروبي، ليس لمهاجمة الآخرين أو تبني خطاب متطرف، بل للدفاع عن مصالحه وصورته عندما تصبح موضوعاً للنقاش السياسي؟

الفرق هنا جوهري. فالمسألة لا تتعلق بتقليد خطاب اليمين المتطرف أو خوض “حرب سياسية” مع دول الجوار، بل ببناء قدرة ناعمة على التأثير في النقاشات الدولية. بمعنى آخر، الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.

فحين يصبح اسم دولة ما يتكرر في الخطابات الانتخابية لدول أخرى، فهذا يعني أنها لم تعد مجرد جار جغرافي، بل أصبحت عنصراً في الخيال السياسي لتلك المجتمعات. والسؤال الحقيقي ليس لماذا يستعمل بعض السياسيين اسم المغرب في خطاباتهم، بل لماذا لا يمتلك المغرب دائماً الأدوات الكافية ليكون حاضراً في تلك النقاشات بصوته هو.

وفي زمن الإعلام العابر للحدود، قد لا تُحسم صورة الدول فقط في مكاتب الدبلوماسيين، بل أيضاً في المنابر السياسية والبرامج التلفزيونية وصفحات الجرائد. هناك، حيث تتحول الكلمات إلى مواقف، والمواقف إلى تصورات عامة، تبدأ المعركة الحقيقية حول صورة الدول ومكانتها.

وهكذا، قد تبدو تصريحات سياسية عابرة مثل تلك التي أطلقها زعيم حزب فوكس مجرد جدل انتخابي داخلي، لكنها في الواقع تفتح باب سؤال أكبر:
كيف يمكن لدولة مثل المغرب أن تحمي صورتها ومصالحها في عالم أصبحت فيه السياسة أيضاً معركة سرديات؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img