ذات صلة

أحدث المقالات

ليبيا–الساحل: السعودية تزاحم الإمارات وتعيد رسم خرائط النفوذ بصفقة الـ4 مليارات

في سياق إقليمي تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع تمدد...

بين السرّ الطبي وموازين السلطة: تأخر كشف مرض نتنياهو يفتح سؤال الشفافية في زمن الحرب

بعيدًا عن الصيغة الإخبارية المباشرة، يفتح الكشف المتأخر عن...

ليبيا–الساحل: السعودية تزاحم الإمارات وتعيد رسم خرائط النفوذ بصفقة الـ4 مليارات

في سياق إقليمي تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع تمدد بؤر عدم الاستقرار في الساحل الإفريقي، تبرز التحركات الجديدة في الملف الليبي بوصفها أكثر من مجرد إعادة تموضع دبلوماسي أو صفقات تسليح. إنها، وفق قراءة تحليلية متقاطعة، جزء من إعادة رسم أوسع لتوازنات النفوذ بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تمتد ارتدادات المشهد من بنغازي إلى طرابلس، ومن السودان إلى مالي، في سياق تتزايد فيه هشاشة الدولة وتتصاعد فيه ديناميات الجماعات المسلحة في بعض مناطق غرب إفريقيا.

في هذا الإطار، تكشف معطيات متقاطعة من تقارير دولية، من بينها ما نشرته «رويترز» و«ميدل إيست آي»، عن بروز محور تعاون عسكري غير تقليدي بين السعودية وباكستان، تُرجمت إحدى مخرجاته في صفقة عسكرية تُقدّر بنحو 4 مليارات دولار، يُعتقد أنها وُجهت لتعزيز قدرات قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر. غير أن دلالة هذه الصفقة، وفق قراءات مراقبين، تتجاوز البعد التسليحي المباشر، لتدخل في سياق أوسع لإعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية المتدخلة في الملف الليبي.

التحول اللافت هنا لا يكمن فقط في حجم الصفقة، بل في طبيعة الوساطة السعودية التي يبدو أنها انتقلت من موقع المراقب أو الداعم غير المباشر إلى موقع “الضامن السياسي واللوجستي”، في محاولة لإعادة صياغة نفوذها داخل شرق ليبيا، في مقابل تقليص الحضور الإماراتي الذي ظل لسنوات فاعلاً مركزياً في هذا الملف. هذا التنافس البيني داخل المعسكرات الداعمة لأطراف النزاع الليبي يعكس في جوهره إعادة ترتيب أوسع داخل منظومة التحالفات العربية في شمال إفريقيا.

في المقابل، يُقرأ هذا الحراك أيضاً من زاوية أكثر حساسية ترتبط بالسياق السوداني المشتعل، حيث تشير تقديرات أمنية مفتوحة المصدر إلى أن بعض خطوط الإمداد العابرة للصحراء، والتي تمر عبر جنوب شرق ليبيا، أصبحت جزءاً من معادلات الصراع في السودان. ومن هنا، يبدو أن التحرك السعودي لا ينفصل عن محاولة ضبط هذا الامتداد الإقليمي، عبر التأثير على سلوك القوى العسكرية الناشطة في شرق ليبيا، بما يضمن الحد من تدفق الدعم نحو أطراف الصراع السوداني، في إطار معادلة توازن دقيقة بين الردع والاحتواء.

غير أن أخطر ما في هذا المشهد لا يتوقف عند ليبيا والسودان، بل يمتد إلى فضاء الساحل الإفريقي، حيث تتفاقم هشاشة الدولة في مالي وعدد من دول المنطقة، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة ذات الطابع الجهادي في بعض الأقاليم الحدودية. هذا الامتداد غير المستقر يخلق ما يشبه “القوس الأمني المنكسر” الممتد من الصحراء الليبية إلى عمق الساحل، ما يجعل أي إعادة تموضع في ليبيا ذات تأثير غير مباشر على معادلات الأمن في غرب إفريقيا.

في هذا السياق المتشابك، يظهر أيضاً البعد المتعلق بانتقال السلطة داخل معسكر شرق ليبيا، مع بروز صدام حفتر كلاعب متقدم في المشهد العسكري والسياسي، في ظل مؤشرات على إعداد تدريجي لمرحلة ما بعد خليفة حفتر. وتقرأ بعض التحليلات هذا التحول باعتباره محاولة لتأمين استمرارية مراكز النفوذ داخل بنية عسكرية–عائلية، مدعومة بموارد وتسليح خارجي، بما يعيد إنتاج نفس موازين القوة ولكن بأدوات جديدة.

في المقابل، تلتزم الإمارات بخطاب دبلوماسي هادئ يركز على دعم المسار الأممي، في وقت يُنظر فيه إلى هذا “الصمت النسبي” كجزء من إعادة تقييم أوسع لموقعها داخل الساحة الليبية، في ظل دخول فاعلين جدد على خط التمويل والتسليح والوساطة السياسية.

إن ما يجري في ليبيا اليوم لا يمكن فصله عن التحولات الأعمق في شمال إفريقيا والساحل. فالتشابك بين الصفقات العسكرية، وتوازنات النفوذ الإقليمي، وتصدعات الدولة في الجنوب، يرسم لوحة معقدة حيث تتحول ليبيا من ساحة صراع داخلي إلى عقدة وصل بين مسارات أمنية تمتد من البحر المتوسط إلى أعماق إفريقيا.

وبينما تتسارع هذه التحولات، يظل السؤال الأهم مطروحاً حول قدرة دول المغرب العربي وشمال إفريقيا على بناء مقاربة أمنية جماعية قادرة على احتواء ارتدادات هذا التداخل الإقليمي، قبل أن تتحول التوازنات الجديدة إلى مصدر مزيد من عدم الاستقرار بدل أن تكون مدخلاً لإعادة التنظيم.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img