ذات صلة

أحدث المقالات

مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن.. كلامٌ كثيرٌ خلف الأبواب المغلقة

دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية في الولايات المتحدة مرحلة...

قمة بكين 2026.. كيف أصبحت إيران إحدى العقد الكبرى بين ترامب وشي جين بينغ؟

تحولت القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس...

حين رفع شي نخب ترامب… سقطت أوهام طهران بين صفقات الكبار وتحولات العالم

في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات الكبرى دائمًا بعدد...

قمة بكين 2026.. إدارة الصراع الأمريكي – الصيني لا إنهاء الخلاف

تتجه الأنظار العالمية إلى العاصمة الصينية بكين، حيث انعقدت...

دمشق تنقلب على إرث “البوليساريو” وتمنح الرباط انتصارًا استراتيجيًا يعيد رسم خرائط العالم العربي

لم يكن التحول هذه المرة مجرد مصافحة بروتوكولية بين وزيري خارجية، ولا مجرد بيان دبلوماسي يُضاف إلى أرشيف العلاقات العربية. فحين تعلن دمشق، التي ارتبط اسمها لعقود بمواقف مغايرة تجاه قضية الصحراء، دعمها الصريح للوحدة الترابية للمغرب وتأييدها لمبادرة الحكم الذاتي، فإن الأمر يتجاوز لغة المجاملات السياسية إلى إعادة رسم خرائط التوازنات داخل المنطقة العربية نفسها. ذلك أن بعض المواقف في السياسة لا تُقاس بما يُقال فقط، بل بما يعنيه توقيتها، وبما يكشفه تغيرها من تحولات أعمق داخل الإقليم.

لقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره السوري أسعد الشيباني في الرباط لم يكن حدثا معزولا عن سياق إقليمي واسع يشهد إعادة تموقعات متسارعة، بعد سنوات من الانقسامات والحروب الباردة العربية. فدمشق، التي خرجت تدريجيا من دائرة العزلة، تبدو اليوم وكأنها تعيد ترتيب أولوياتها السياسية وفق منطق جديد يقوم على البراغماتية، وعلى البحث عن شركاء قادرين على منحها منفذا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا نحو فضاءات أوسع.

وفي هذا السياق، لم يعد المغرب بالنسبة إلى عدد من العواصم العربية مجرد دولة في أقصى الغرب العربي، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل إقليمي يملك قدرة متزايدة على بناء التوازنات، سواء عبر حضوره في إفريقيا، أو من خلال شبكات شراكاته الاقتصادية والأمنية، أو عبر موقعه داخل معادلات الوساطة والاستقرار. لذلك فإن التقارب السوري المغربي لا يمكن قراءته فقط من زاوية قضية الصحراء، بل أيضا من زاوية إدراك دمشق أن الرباط أصبحت بوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي، ونحو فضاءات دبلوماسية لم تعد سوريا قادرة على الوصول إليها بسهولة بعد سنوات الحرب والعقوبات والتوترات الإقليمية.

التحول السوري يحمل أيضا بعدا رمزيا ثقيلا، لأن دمشق كانت لسنوات طويلة من أبرز العواصم التي احتضنت أطروحة “البوليساريو”، سواء عبر المواقف السياسية أو من خلال فتح قنوات التواصل مع الجبهة الانفصالية. لذلك فإن إعلان احترام سيادة المغرب على كامل أراضيه لا يمثل فقط تغيرا في الخطاب، بل يكشف عن مراجعة أوسع داخل السياسة الخارجية السورية تجاه ملفات ظلت لعقود مرتبطة بمحاور إقليمية معينة. وكأن سوريا تقول بشكل غير مباشر إن مرحلة الاصطفافات القديمة بدأت تتآكل أمام منطق المصالح وإعادة التموضع.

هذا التحول لا يمكن فصله أيضا عن المناخ الدولي المتغير حول قضية الصحراء المغربية. فخلال السنوات الأخيرة، توسع الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وعمليا للنزاع، بينما بدأ الطرح الانفصالي يفقد الكثير من زخمه داخل المؤسسات الدولية والإقليمية. لذلك فإن الموقف السوري الجديد يبدو أقرب إلى قراءة سياسية لموازين القوى الجديدة، أكثر من كونه مجرد تبدل ظرفي في العلاقات الثنائية.

لكن خلف هذه الصورة الدبلوماسية الهادئة، تختبئ حسابات أكثر عمقا. فسوريا التي تسعى إلى إعادة بناء اقتصادها واستعادة حضورها العربي تدرك أن الانفتاح على المغرب يمنحها فرصة للعودة إلى فضاء عربي أكثر توازنا، بعيدا عن الاستقطابات الحادة التي استنزفت المنطقة. وفي المقابل، يبدو المغرب مستفيدا من توسيع دائرة الدعم العربي لوحدته الترابية، خصوصا من عواصم كانت تاريخيا محسوبة على مواقف مغايرة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو التوقيت السياسي لإعلان إعادة فتح السفارة المغربية في دمشق، وهو القرار الذي أعلنه الملك محمد السادس خلال خطابه إلى القمة العربية في بغداد سنة 2025. فالقرار لم يُقدم باعتباره مجرد خطوة إدارية أو دبلوماسية، بل باعتباره مدخلا لإعادة بناء الثقة بين بلدين جمعتهما لعقود علاقات تاريخية وإنسانية وسياسية معقدة. وكأن الرباط أرادت أن تقول إن إدارة الخلافات لا تعني بالضرورة إغلاق أبواب الحوار إلى الأبد.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بسوريا أو المغرب، بل بما تكشفه هذه التحولات عن طبيعة العالم العربي نفسه. فالدول التي كانت حتى وقت قريب أسيرة الشعارات الإيديولوجية الصلبة، بدأت تتحرك اليوم بمنطق المصالح وإعادة التموضع الواقعي. والتحالفات التي كانت تبدو ثابتة لعقود، أصبحت قابلة للتبدل بمجرد تغير موازين القوة والاقتصاد والنفوذ.

وهنا تحديدا تكمن دلالة المشهد: فالقضية لم تعد مجرد دعم دبلوماسي لملف الصحراء، بل مؤشر على ولادة مرحلة عربية جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقات وفق خرائط مختلفة، تتقدم فيها البراغماتية على الشعارات، والمصالح الاستراتيجية على الاصطفافات التقليدية. وعندما تتغير مواقف العواصم، فإن السؤال الحقيقي لا يكون فقط: من غيّر موقفه؟ بل: أي عالم عربي جديد يتشكل بصمت خلف هذه التحولات؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img