ذات صلة

أحدث المقالات

إيران 2026: اقتصاد مأزوم وضغوط داخلية متصاعدة.. هل تقترب طهران من مرحلة حرجة؟

تشهد إيران حالة من الضغوط الاقتصادية المتزايدة، حيث أكدت...

حموشي من فيينا… كيف تحوّل المغرب إلى قوة استخباراتية عالمية تُصدّر الأمن وتُرعب الإرهاب؟

لم تعد الزيارات الأمنية المغربية إلى العواصم الدولية مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مؤشرات سياسية واستخباراتية على صعود المغرب كقوة أمنية إقليمية ودولية، قادرة على فرض نفسها داخل أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العالم. ومن قلب فيينا، العاصمة التي تحتضن مكاتب الأمم المتحدة ومراكز التنسيق الأمني والاستخباراتي الكبرى، يواصل المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، ترسيخ صورة المغرب كدولة لم تعد فقط مستهلكة للأمن، بل أصبحت منتجة له ومصدّرة لخبراته ونموذجه في مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة العابرة للحدود.

زيارة حموشي إلى النمسا ما بين 5 و7 ماي الجاري لا يمكن قراءتها بمنطق اللقاءات التقنية الباردة، لأن ما يجري في الكواليس الأمنية الدولية يكشف أن المغرب انتقل إلى مرحلة جديدة من الحضور الاستخباراتي المؤثر داخل مراكز صناعة القرار الأمني العالمي. فحين تجتمع أجهزة استخبارات عربية وإقليمية ودولية تحت مظلة الأمم المتحدة، ويكون النموذج المغربي أحد أبرز النماذج المطروحة للنقاش والتقاسم، فإن الأمر يتجاوز مجرد المشاركة إلى الاعتراف الضمني بأن الرباط أصبحت رقماً صعباً في معادلة الأمن الدولي.

فيينا، التي تتحرك فيها أجهزة الاستخبارات الكبرى بحذر شديد، لم تستقبل هذه المرة مسؤولاً أمنياً عادياً، بل استقبلت الرجل الذي ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بإفشال عشرات المخططات الإرهابية، ليس فقط داخل المغرب، بل حتى فوق التراب الأوروبي. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن تشيد المديرة العامة لمصالح حماية الدولة والاستخبارات بالنمسا، سيلفيا مايير، بالدعم الاستخباراتي المغربي الذي ساهم في تحييد تهديدات خطيرة وتوقيف متطرفين داخل النمسا نفسها. إنها شهادة أوروبية جديدة تؤكد أن الأجهزة المغربية لم تعد تشتغل فقط لحماية الحدود الوطنية، بل أصبحت شريكاً فعلياً في حماية الأمن الأوروبي والدولي.

الرسالة العميقة التي تحملها هذه الزيارة تكمن في أن المغرب نجح في بناء “علامة أمنية” خاصة به داخل المجتمع الدولي. فبينما تعاني دول كثيرة من اختراقات أمنية وهشاشة استخباراتية، استطاع المغرب، بقيادة حموشي، أن يؤسس نموذجاً قائماً على الدمج بين العمل الاستخباراتي الاستباقي، والاحترافية التقنية، والتنسيق الدولي، مع المحافظة في الآن نفسه على استقرار داخلي جعل المملكة تبدو وسط محيط إقليمي مضطرب كجزيرة أمنية نادرة.

ولعل أخطر ما يثير انتباه الشركاء الدوليين اليوم هو أن المغرب لا يواجه فقط الإرهاب التقليدي، بل يتعامل مع شبكة معقدة من التهديدات المتداخلة: الهجرة غير النظامية، الاتجار بالبشر، تبييض الأموال، شبكات السلاح، الجريمة السيبرانية، والامتدادات الجديدة للتطرف في مناطق النزاع العالمية. وهي الملفات التي أصبحت تؤرق أوروبا بشكل متزايد، خصوصاً مع التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم بعد الحروب والأزمات الدولية المتلاحقة.

ومن هنا تكتسب لقاءات الوفد المغربي مع مسؤولي الأمن في النمسا وتركيا وباكستان والعراق وسلطنة عمان دلالات تتجاوز التنسيق الظرفي، لأنها تعكس توجهاً مغربياً نحو بناء شبكة تعاون أمني متعددة الأبعاد، تجعل من الرباط مركز توازن استخباراتي بين أوروبا والعالم العربي وإفريقيا وآسيا. وهو تحول استراتيجي يعكس رؤية دولة تدرك أن معارك المستقبل لن تُحسم فقط بالسلاح التقليدي، بل بالمعلومة الدقيقة، والاختراق الاستباقي، والقدرة على تفكيك الشبكات قبل تحركها.

في العمق، تبدو هذه النجاحات الأمنية المغربية وكأنها إعادة صياغة لصورة الدولة المغربية نفسها في الخارج. فالمغرب الذي كان يُقدَّم لعقود باعتباره بلداً سياحياً أو شريكاً اقتصادياً متوسط الحجم، أصبح اليوم يُنظر إليه داخل المنتديات الأمنية الدولية باعتباره أحد أكثر النماذج فعالية وموثوقية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف. وهذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل بُنيت عبر سنوات من العمل الاستخباراتي الصامت، والتحديث المؤسساتي، والاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا الأمنية.

أما داخلياً، فإن هذه الدينامية الأمنية تمنح المواطن المغربي شعوراً متزايداً بأن الأمن والاستقرار اللذين يعيشهـما المغرب ليسا معطيين طبيعيين أو أمراً عادياً، بل نتيجة حرب استخباراتية يومية تُخاض في الظل لحماية البلاد من سيناريوهات الفوضى والانهيار التي عصفت بعدة دول في المنطقة. وهنا يبرز اسم حموشي كأحد أبرز الوجوه التي ارتبطت في الوعي الجماعي المغربي بفكرة “الدولة التي تسهر ولا تنام” لحماية استقرارها.

لكن خلف هذه الصورة الأمنية القوية، ثمة بعد سياسي ودبلوماسي أعمق. فكل نجاح أمني مغربي يتحول تلقائياً إلى رصيد استراتيجي للمملكة في علاقاتها الدولية، وإلى ورقة قوة تعزز موقعها التفاوضي في ملفات حساسة، سواء مع أوروبا أو داخل المؤسسات الدولية. فالعالم اليوم لا يكافئ فقط الدول الغنية أو العسكرية، بل أيضاً الدول القادرة على إنتاج الأمن في زمن الفوضى العالمية.

وهكذا، فإن زيارة عبد اللطيف حموشي إلى فيينا ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل إعلان جديد عن صعود المغرب كقوة أمنية دولية صامتة، تتحرك بهدوء، لكنها تفرض حضورها بثقة داخل أخطر الملفات الأمنية العالمية، في وقت أصبح فيه الأمن المغربي أحد أكثر “الصادرات غير المعلنة” تأثيراً في صورة المملكة ومكانتها الدولية.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img