ذات صلة

أحدث المقالات

إيران 2026: اقتصاد مأزوم وضغوط داخلية متصاعدة.. هل تقترب طهران من مرحلة حرجة؟

تشهد إيران حالة من الضغوط الاقتصادية المتزايدة، حيث أكدت...

المغرب… شريك استراتيجي أم شرطي حدود؟ وفد أوروبي في الرباط يبحث عن “الاستقرار” فيما الشباب يواصل الهجرة

في مشهد دبلوماسي يبدو في ظاهره بروتوكولياً، لكنه يخفي رهانات أعمق، حلّ وفد من حزب الشعب الأوروبي التابع لـالجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بالرباط، حيث التقى بنائب رئيس مجلس المستشارين لحسن حداد، في لقاء قُدّم رسمياً كحلقة جديدة في مسار “تعزيز التعاون البرلماني” بين المغرب وشركائه الأوروبيين. غير أن قراءة متأنية لهذا الحدث تكشف أنه يتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية إلى مساءلة غير معلنة حول موقع المغرب في معادلة معقدة: الهجرة، الاستقرار الإقليمي، والتحول الطاقي.

البلاغ الرسمي ركّز على عناوين كبرى: الهجرة، الساحل، الطاقة، والشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي. لكن خلف هذه العناوين، يبرز سؤال مركزي: هل نحن أمام حوار متكافئ حول تقاسم المسؤوليات، أم إعادة تأكيد لدور المغرب كـ“حارس متقدم” للحدود الجنوبية لأوروبا؟ فحين تُطرح الهجرة كأولوية مشتركة، فإنها في الواقع تمثل نقطة التقاء مصالح غير متوازنة: أوروبا تبحث عن تقليص تدفقات المهاجرين، بينما يجد المغرب نفسه في موقع إدارة هذه الضغوط على أرضه.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “الاستقرار الإقليمي”، خاصة في منطقة الساحل، محمّلاً بدلالات سياسية وأمنية تتجاوز التعاون التقليدي. فالمغرب يُقدَّم كشريك موثوق، لكن هذا التوصيف يخفي في طياته انتظارات أوروبية واضحة: الحفاظ على الاستقرار، ضبط الحدود، والمساهمة في احتواء أزمات الجوار. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: عن أي استقرار نتحدث، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية داخلياً؟

الأكثر حساسية هو ملف التمويلات الأوروبية المرتبطة بالهجرة والتنمية. فالمعروف أن الاتحاد الأوروبي يخصص دعماً مالياً مهماً للمغرب في إطار برامج متعددة (الهجرة، التنمية، التعليم، التكوين). لكن الإشكال لا يكمن فقط في حجم هذه الأموال، بل في مآلاتها. أين تذهب؟ كيف تُصرف؟ وما أثرها الفعلي على حياة المواطنين؟ هذه الأسئلة، رغم غيابها عن البلاغات الرسمية، تشكل جوهر النقاش الحقيقي.

هنا تبرز المفارقة: إذا كانت هذه الشراكات تهدف إلى “معالجة جذور الهجرة”، فإن الواقع الاجتماعي يكشف استمرار دوافعها الأساسية، وعلى رأسها البطالة، ضعف الفرص، وتفاوت التنمية. فالهجرة، في جوهرها، ليست خياراً عابراً، بل تعبير عن اختلالات عميقة. وكما يُقال: “لا أحد يغادر مكاناً يوفر له الكرامة والاستقرار”.

اللافت أيضاً أن اللقاء لم يشر، على الأقل في صيغته المعلنة، إلى آليات التتبع والتقييم: هل يقوم وفد حزب الشعب الأوروبي بزيارات ميدانية؟ هل يطّلع على المشاريع التي تم تمويلها؟ هل يطالب بتقارير دقيقة حول النتائج؟ أم أن الأمر يظل في حدود تبادل وجهات النظر دون مساءلة حقيقية؟

في المقابل، شدد لحسن حداد على أهمية “الدبلوماسية البرلمانية” كأداة لبناء الثقة، وهو طرح يعكس رغبة المغرب في تقديم نفسه كشريك ناضج ومؤثر. لكن هذه الدبلوماسية، لكي تكون فعالة، تحتاج إلى ما هو أكثر من الخطاب: تحتاج إلى معطيات، شفافية، وقدرة على تحويل الشراكات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

أما إشادة الوفد الأوروبي بـ“التجربة المغربية في الإصلاحات”، فهي بدورها تطرح سؤالاً نقدياً: هل هي قراءة موضوعية تستند إلى تقييم دقيق، أم جزء من خطاب سياسي يروم الحفاظ على توازنات الشراكة؟

في النهاية، يبدو هذا اللقاء كجزء من قصة أكبر: قصة علاقة معقدة بين الجنوب والشمال، حيث تتقاطع المصالح، لكن تتباين الأولويات. وبينما تبحث أوروبا عن أمنها الحدودي، يبحث المواطن المغربي عن أفق اقتصادي واجتماعي أكثر وضوحاً. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يمكن تحويل هذه الشراكات من أدوات لإدارة الأزمات إلى رافعة فعلية للتنمية؟

إنه سؤال مفتوح، لا يجيب عنه بلاغ رسمي، بل تجيب عنه الوقائع على الأرض.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img