ذات صلة

أحدث المقالات

مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن.. كلامٌ كثيرٌ خلف الأبواب المغلقة

دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية في الولايات المتحدة مرحلة...

قمة بكين 2026.. كيف أصبحت إيران إحدى العقد الكبرى بين ترامب وشي جين بينغ؟

تحولت القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس...

حين رفع شي نخب ترامب… سقطت أوهام طهران بين صفقات الكبار وتحولات العالم

في السياسة الدولية، لا تُقاس التحولات الكبرى دائمًا بعدد...

الملك المفدى محمد السادس يعلن ميلاد “جيش المستقبل”.. المغرب يدخل عصر الحروب الذكية من بوابة السيادة والتكنولوجيا

ليست قوة الدول اليوم فيما تملكه من دبابات وطائرات فقط، بل فيما تملكه من قدرة على قراءة المستقبل قبل أن يتحول إلى تهديد. ففي عالم تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، لم تعد الجيوش تُقاس بعدد الجنود وحده، بل بمدى جاهزيتها التكنولوجية، ومرونتها في مواجهة الحروب الجديدة، وقدرتها على حماية الاستقرار الداخلي للدولة وسط إقليم مضطرب وعالم مفتوح على كل الاحتمالات. ومن هنا، بدا خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، وكأنه إعلان واضح عن دخول المغرب مرحلة جديدة في بناء القوة الوطنية، تقوم على تحديث المؤسسة العسكرية باعتبارها جزءًا من مشروع الدولة الاستراتيجي، لا مجرد قطاع أمني معزول عن التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.

فالرسالة التي حملها العاهل المغربي لم تكن خطابًا احتفاليًا تقليديًا، بقدر ما كانت قراءة ملكية عميقة لطبيعة التحديات المقبلة. عندما أكد الملك أن “تحديث القوات المسلحة لم يعد خيارًا بل ضرورة”، كان يضع المؤسسة العسكرية المغربية أمام منطق جديد: منطق الجيش الذكي، القادر على التفاعل مع الحروب الهجينة، والتهديدات السيبرانية، وصراعات التكنولوجيا والبيانات، وليس فقط مع التهديدات التقليدية المرتبطة بحماية الحدود.

هذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بالمغرب. فمنطقة الساحل الإفريقي تعيش على وقع تمدد الجماعات المسلحة والانقلابات وعدم الاستقرار، بينما تشهد منطقة شمال إفريقيا تنافسًا متزايدًا حول النفوذ والتسلح، في وقت أصبحت فيه الهجمات الإلكترونية والاختراقات الرقمية جزءًا من معارك النفوذ العالمية. وهنا يبدو أن المؤسسة الملكية تدرك أن الحفاظ على الاستقرار المغربي لا يتحقق فقط عبر التوازنات السياسية والدبلوماسية، بل كذلك عبر بناء قوة دفاعية حديثة تمتلك القدرة على الردع والتأقلم مع طبيعة الصراعات الجديدة.

ولعل أكثر ما يكشف عمق هذا التحول هو الإشارة المباشرة إلى الذكاء الاصطناعي والرقمنة والأمن السيبراني. فهذه المصطلحات لم تعد مجرد شعارات تقنية، بل أصبحت جزءًا من العقيدة العسكرية للدول الكبرى. العالم يتجه نحو جيوش تعتمد على تحليل البيانات، والطائرات بدون طيار، وأنظمة المراقبة الذكية، والحروب الرقمية التي قد تُعطل بنى تحتية كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة. وعندما يضع المغرب هذه المجالات ضمن أولويات المؤسسة العسكرية، فإنه يبعث برسالة مفادها أن المملكة لا تريد أن تبقى في موقع المتلقي للتكنولوجيا، بل تسعى إلى بناء قدرات وطنية تجعلها أكثر استقلالية وسيادة في المجال الدفاعي.

غير أن الرؤية الملكية لم تختزل القوة في التكنولوجيا وحدها، بل أعادت الاعتبار للعنصر البشري باعتباره أساس كل تحديث ناجح. فالاستثمار في التكوين والتأهيل والتدريب يعكس إدراكًا بأن الجيوش الحديثة لا تُبنى فقط بالأسلحة، بل بالعقول القادرة على تشغيلها وتطويرها والتفاعل مع متغيرات العالم. وهنا تتقاطع المؤسسة العسكرية مع مشروع الدولة المغربية في التحديث الرقمي والعلمي، حيث يصبح الجيش جزءًا من دينامية وطنية أوسع ترتبط بالبحث العلمي والابتكار والتكوين العالي.

وفي العمق، لا يمكن قراءة هذا التوجه العسكري بمعزل عن الرؤية الملكية الأشمل للدولة الاجتماعية والاستقرار الوطني. فحين تحدث الملك عن إنشاء مستشفيات عسكرية جديدة، وبرامج للسكن العسكري تشمل ستين ألف وحدة سكنية، كان يؤكد أن المؤسسة العسكرية ليست فقط جهازًا للدفاع، بل فضاء اجتماعي وإنساني يرتبط بحياة العسكريين وعائلاتهم وكرامتهم. وهي رسالة وفاء واضحة لمن يحملون مسؤولية حماية الوطن، وتعكس فلسفة تقوم على ربط الأمن الاجتماعي بالأمن الوطني.

أما البعد الإنساني الذي توقف عنده الخطاب، فيكشف جانبًا آخر من العقيدة المغربية الحديثة. فالقوات المسلحة الملكية لم تعد تظهر فقط في لحظات الحرب، بل كذلك في لحظات الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية. التدخلات التي شهدتها مناطق الفيضانات، من القصر الكبير إلى القرى الجبلية المعزولة، لم تكن مجرد عمليات إنقاذ تقنية، بل صورة لدولة تتحرك بمؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية لحماية المواطنين في أصعب الظروف. وهنا تتحول المؤسسة العسكرية إلى ركيزة للاستقرار المجتمعي، لا مجرد قوة ردع.

كما حمل الخطاب بُعدًا دبلوماسيًا واضحًا، حين جدد الملك التزام المغرب بتعزيز التعاون العسكري الثنائي ومتعدد الأطراف. فالمملكة تدرك أن مكانتها الإقليمية والدولية لا تُبنى فقط عبر السياسة والاقتصاد، بل كذلك عبر جيش محترف وحديث قادر على أن يكون شريكًا موثوقًا في قضايا الأمن الإقليمي والدولي. وهذا ما يفسر تنامي حضور المغرب في التمارين العسكرية المشتركة، والتعاون الأمني، والانخراط في قضايا الاستقرار الإفريقي والمتوسطي.

وفي خلفية كل ذلك، تبدو الخدمة العسكرية أيضًا جزءًا من مشروع إعادة بناء العلاقة بين الشباب والدولة. فالحديث عن المواطنة والانضباط والتأهيل المهني لا ينفصل عن محاولة ترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية داخل جيل يعيش وسط تحولات اجتماعية وثقافية عميقة. وكأن الرسالة هنا أن قوة الدولة لا تبدأ فقط من حدودها، بل من قدرتها على صناعة مواطن يشعر بأنه جزء من مشروع وطني جماعي.

في النهاية، لم يكن خطاب الذكرى السبعين للقوات المسلحة مجرد حديث عن الجيش، بل عن صورة المغرب الذي يُراد له أن يدخل المستقبل بثقة أكبر. مغرب يحاول أن يبني توازنه بين الوفاء لثوابته الوطنية والملكية، وبين الانخراط في عالم تحكمه التكنولوجيا والمعرفة وسرعة التحولات. فالدول التي لا تُحدث مؤسساتها، ولا تستثمر في العلم والسيادة الرقمية، تجد نفسها مع الوقت خارج معادلات القوة والتأثير.

ويبقى السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح تحديث الجيوش في القرن الحادي والعشرين مرآة حقيقية لقدرة الدول على حماية سيادتها واستقرارها ومكانتها، أكثر مما هو مجرد سباق تقليدي نحو التسلح؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img