في نزاعٍ امتد لعقود وتحول إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا في شمال إفريقيا، لا تُقاس أهمية بعض الأحداث بحجم الخسائر الميدانية التي تخلفها، بقدر ما تُقاس بما تكشفه من تحولات عميقة في موازين القوة والقيادة والخيارات السياسية. ومن هذا المنظور، يتجاوز إعلان جبهة البوليساريو الانفصالية مقتل لحبيب محمد عبد العزيز، نجل الإنفصالي السابق للجبهة الانفصالية الراحل محمد عبد العزيز، كونه مجرد خبر عسكري عابر، ليصبح مؤشراً على مرحلة جديدة من الأسئلة حول مستقبل المواجهة في الصحراء، وحول قدرة الجبهة الانفصالية على الاستمرار في الرهان على الخيار المسلح في ظل واقع ميداني ودبلوماسي يشهد تغيرات متسارعة.
فالرجل الذي أعلنت الجبهة الانفصالية مقتله لم يكن اسماً عادياً داخل هياكلها التنظيمية والعسكرية. فبحسب المعطيات المتداولة في الأوساط المقربة من الجبهة، كان يشغل مواقع مؤثرة داخل بنيتها القيادية، كما كان يُنظر إليه باعتباره أحد الوجوه التي تمتلك حضوراً داخل دوائر القرار. لذلك فإن مقتله لا يُقرأ باعتباره خسارة ميدانية فقط، بل باعتباره حدثاً يحمل أبعاداً سياسية ورمزية تتجاوز شخصه، بالنظر إلى ارتباط اسمه بإحدى أكثر العائلات تأثيراً في تاريخ الجبهة الانفصالية منذ تأسيسها.
وتزداد أهمية الحدث بالنظر إلى الظروف التي أعلنت الجبهة الانفصالية أنه قُتل خلالها. فإقرارها بأن المعني بالأمر كان يقود هجمات بالقرب من الجدار الأمني المغربي يسلط الضوء على طبيعة التحركات العسكرية التي تشهدها المنطقة العازلة خلال السنوات الأخيرة. كما يفتح المجال أمام تساؤلات حول الأهداف التي كانت تقف خلف تلك التحركات، خاصة في ظل التوترات التي عرفتها بعض المناطق الجنوبية خلال الفترات الماضية، وما رافقها من مخاوف مرتبطة بمحاولات نقل المواجهة إلى مستويات أكثر تصعيداً.
وتأتي هذه التطورات في سياق لا يمكن فصله عن الأحداث التي شهدتها مدينة السمارة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تعرض محيط المدينة لسقوط مقذوفات في أكثر من مناسبة. ورغم محدودية الأضرار في بعض الحالات، فإن مجرد وصول التوتر إلى مناطق قريبة من التجمعات السكانية أعاد النقاش حول طبيعة المرحلة الحالية من النزاع، وحول ما إذا كانت بعض التحركات العسكرية تهدف إلى توجيه رسائل سياسية تتجاوز بعدها الميداني المباشر.
غير أن أهمية مقتل مسؤول بارز داخل الجبهة الانفصالية لا تتوقف عند البعد الأمني والعسكري فقط، بل تمتد إلى قراءة أوسع لمآلات الاستراتيجية التي أعلنت الجبهة العودة إليها منذ أواخر عام 2020 عندما أعلنت إنهاء التزامها باتفاق وقف إطلاق النار. فمنذ ذلك التاريخ، ظل الخطاب السياسي والعسكري للجبهة الانفصالية يتحدث عن حالة حرب مفتوحة، غير أن المعطيات الميدانية على الأرض كشفت مع مرور الوقت عن فجوة متزايدة بين الخطاب والواقع، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها القدرات العسكرية المغربية.
لقد تغيرت طبيعة الحروب الحديثة بشكل جذري خلال العقدين الأخيرين. فالمساحات الشاسعة التي كانت تمنح هامشاً واسعاً للمناورة أصبحت اليوم تحت مراقبة مستمرة بفضل التطور التكنولوجي المتسارع. وفي حالة الصحراء، برزت الطائرات المسيّرة كأحد أبرز العوامل التي أعادت تشكيل قواعد الاشتباك. فهذه التكنولوجيا لم توفر فقط قدرة أكبر على المراقبة والاستطلاع، بل منحت القوات المغربية إمكانية التدخل السريع والدقيق في مناطق كانت في السابق تشكل تحدياً من الناحية العملياتية.
ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن تعترف شخصيات ومسؤولون في الجبهة الانفصالية، في تصريحات إعلامية متعددة خلال السنوات الماضية، بأن الطائرات المسيّرة غيرت طبيعة المواجهة بشكل كبير. فالسلاح الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره مجرد أداة دعم عسكرية تحول تدريجياً إلى عنصر مؤثر في إعادة رسم التوازنات الميدانية، وهو ما انعكس على قدرة الجبهة الانفصالية على التحرك وعلى هامش المناورة المتاح لعناصرها وقياداتها في المناطق القريبة من الجدار الأمني.
لكن قراءة الحدث من زاوية عسكرية فقط قد تُخفي جانباً أكثر أهمية يتعلق بالسياق السياسي والدبلوماسي الذي يحيط بالنزاع. فملف الصحراء يشهد منذ سنوات تحولات دولية لافتة، مع تزايد الدعم الذي يحظى به المقترح المغربي للحكم الذاتي من قبل عدد من الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً. وفي المقابل، تجد الجبهة الانفصالية نفسها أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً مما كان عليه في مراحل سابقة، حيث أصبحت التحركات الدبلوماسية جزءاً أساسياً من معركة النفوذ والتأثير المرتبطة بالملف.
وتزداد حساسية هذه التطورات كلما اقتربت مواعيد التحركات الأممية المرتبطة بالنزاع. فكل جولة يقوم بها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى المنطقة، وكل تقرير يُرفع إلى مجلس الأمن، يعيدان تسليط الضوء على حسابات الأطراف المختلفة ومحاولاتها تعزيز مواقعها التفاوضية. ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من المتابعين إلى أي تصعيد ميداني باعتباره جزءاً من صراع أوسع يتعلق بالتأثير في مسار الملف سياسياً ودبلوماسياً، وليس فقط عسكرياً.
وفي خلفية كل ذلك، تبرز معضلة أكبر تواجهها الجبهة الانفصالية بعد سنوات من الرهان على التصعيد. فالنزاعات الطويلة لا تُختبر فقط بقدرة الأطراف على مواصلة المواجهة، بل بقدرتها أيضاً على تحقيق أهداف ملموسة من تلك المواجهة. ومع مرور الوقت، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول ما إذا كانت الأدوات القديمة ما تزال قادرة على إنتاج نتائج جديدة، أم أن التحولات الإقليمية والدولية فرضت واقعاً مختلفاً يتطلب مقاربات مختلفة.
ويكشف مقتل لحبيب محمد عبد العزيز، نجل الزعيم السابق للجبهة الانفصالية، جانباً من هذه التحولات. فالأمر لا يتعلق فقط بخسارة شخصية بارزة داخل التنظيم، بل بما تعكسه الحادثة من تغيرات في طبيعة الصراع نفسه. فحين تصبح التكنولوجيا العسكرية عاملاً حاسماً، وحين تتقدم الحسابات الدبلوماسية على رهانات الميدان، تتغير الأسئلة المطروحة حول مستقبل النزاع وتوازناته.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو كيف قُتل أحد أبرز مسؤولي الجبهة الانفصالية، بل ماذا يكشف مقتله عن المرحلة التي دخلها الملف برمته. فالصراعات التي تستمر لعقود تصل في لحظة ما إلى مفترق طرق يفرض إعادة تقييم الخيارات والأدوات والرهانات. وبين التطورات الميدانية المتسارعة والتحولات الدبلوماسية المتراكمة، يبقى السؤال معلقاً فوق هذا النزاع أكثر من أي وقت مضى: هل ما زال الخيار المسلح قادراً على تغيير معادلات باتت تحكمها التكنولوجيا والتحالفات الدولية، أم أن مستقبل الملف يتجه تدريجياً نحو مسارات سياسية أصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً من لغة السلاح نفسها؟