ذات صلة

أحدث المقالات

هل دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة “الحرب بلا وسطاء”؟

هناك سؤالًا يتجاوز توصيف المعركة الجارية بين الولايات المتحدة...

عبد الرحيم فقير… من سؤال «أين كانت الدولة؟» إلى جواب السفارة: هل بدأ التحرك متأخرًا أم أن الصمت كان مجرد انطباع؟

في القضايا التي تمس حياة المواطنين خارج الوطن، لا تكفي البيانات الرسمية وحدها لصناعة الثقة، كما أن الصمت الإعلامي في الساعات الأولى قد يكون أخطر من الحادثة نفسها. فقضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، بعد تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية، لم تتحول إلى قضية رأي عام بسبب مشاهد الفيديو وحدها، بل لأن الفراغ الذي سبق الموقف الرسمي المغربي فتح الباب أمام موجة من الأسئلة والاتهامات، قبل أن تأتي سفارة المملكة في روما لتعلن أنها كانت تتابع الملف “منذ اللحظات الأولى”.

هنا تبدأ القراءة بين السطور. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بما جرى في أحد شوارع بولونيا، حيث أظهرت مقاطع مصورة عملية توقيف انتهت بوفاة عبد الرحيم فقير، وما أعقبها من فتح النيابة الإيطالية تحقيقًا قضائيًا، وخروج احتجاجات في المدينة للمطالبة بكشف الحقيقة. بل أصبحت أيضًا قضية تتعلق بكيفية إدارة الدولة المغربية لأزمات مواطنيها في الخارج، وكيف يُبنى الانطباع العام في زمن تتحرك فيه وسائل التواصل أسرع من المؤسسات.

لقد جاء بيان السفير يوسف بلا ليضع معطيات جديدة في النقاش. فالسفارة أكدت أنها تابعت القضية منذ بدايتها، وأنها وجهت تعليمات فورية إلى القنصلية العامة المختصة في بولونيا لتقديم الدعم المعنوي والمساعدة القنصلية والقانونية لأسرة الضحية، مع مواكبة التحقيقات بشكل ميداني والتنسيق المستمر مع السلطات القضائية الإيطالية. كما شدد السفير على أن مصلحة الجميع تقتضي كشف الحقيقة كاملة، مع إعلانه الثقة في استقلال القضاء الإيطالي وقدرته على إنارة ملابسات الواقعة.

لكن صحافة النظر لا تكتفي بما قيل، بل تسأل أيضًا: لماذا لم يصل هذا الموقف إلى الرأي العام في توقيته؟ فإذا كانت السفارة تؤكد أنها تحركت منذ الساعات الأولى، فلماذا تشكل لدى جزء واسع من المغاربة، داخل الوطن وخارجه، انطباع بأن المؤسسات المغربية غائبة؟ وهل المشكلة في غياب الفعل، أم في غياب التواصل حول هذا الفعل؟

ذلك هو جوهر الأزمة الحقيقية.

في عالم الأزمات، لا يُقاس الأداء فقط بما تقوم به المؤسسات، وإنما أيضًا بقدرتها على إقناع المواطنين بأنها تقوم بواجبها. فحين تنتشر صور وفاة مواطن مغربي، وتتوسع الاحتجاجات في بولونيا، بينما لا يسمع الرأي العام صوتًا رسميًا إلا بعد تصاعد الجدل، يصبح الفراغ الاتصالي نفسه طرفًا في الأزمة، ويترك المجال للروايات البديلة وللأسئلة المشروعة والاتهامات غير الموثقة في آن واحد.

ومن زاوية أخرى، فإن بيان السفارة حمل رسالة دبلوماسية دقيقة. فهو لم ينخرط في إصدار أحكام مسبقة ضد السلطات الإيطالية، ولم يتبن رواية جاهزة، بل تمسك بمبدأين متوازيين: الوقوف الكامل إلى جانب أسرة المواطن المغربي، واحترام مسار العدالة الإيطالية إلى حين انتهاء التحقيق. وهذا التوازن يعكس منطق العمل الدبلوماسي الذي يسعى إلى حماية حقوق المواطن دون المساس باستقلال القضاء في الدولة المضيفة.

غير أن هذا لا يعفي بقية المؤسسات من الأسئلة التي أثارتها القضية.

فالرأي العام لا يحاسب السفارة وحدها، بل ينظر إلى منظومة كاملة تضم الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، والمؤسسات الاستشارية المعنية بالجالية، والفاعلين السياسيين الذين يجعلون من “مغاربة العالم” عنوانًا متكررًا في الخطابات والبرامج الانتخابية. وحين تقع مأساة بهذا الحجم، ينتظر المواطن حضورًا سياسيًا وحقوقيًا وإعلاميًا متناسقًا، لا أن يقتصر المشهد على التحرك القنصلي وحده.

وهنا يظهر التوتر غير المعلن في هذه القضية. فالمغاربة المقيمون بالخارج لا يطالبون فقط بالخدمات الإدارية، بل يبحثون أيضًا عن الإحساس بأن دولتهم حاضرة معهم عندما يصبح أحدهم ضحية حادث مأساوي أو انتهاك محتمل. لذلك فإن أي تأخر في إيصال المعلومة الرسمية، حتى وإن كانت الإجراءات قد بدأت فعليًا، يتحول سريعًا إلى أزمة ثقة.

كما تكشف هذه القضية عن تحدٍّ أكبر يواجه الدبلوماسية المغربية في أوروبا: الانتقال من الدبلوماسية القنصلية التقليدية إلى دبلوماسية الأزمات، حيث تصبح سرعة التواصل، وإدارة الرأي العام، ومواكبة وسائل الإعلام، عناصر لا تقل أهمية عن المتابعة القانونية نفسها.

وفي المقابل، يبقى الجانب الإيطالي أمام مسؤولية كبيرة. ففتح النيابة العامة تحقيقًا قضائيًا يمثل خطوة مؤسساتية ضرورية، لكنه لا يغني عن كشف جميع تفاصيل ما وقع، خاصة في ظل وجود تسجيلات مصورة، واحتجاجات، ومطالب حقوقية بمحاسبة أي مسؤول إذا ثبت وقوع تجاوز في استخدام القوة. فالحقيقة الكاملة وحدها قادرة على حماية العدالة، وصيانة الثقة في المؤسسات، ومنع تحويل القضية إلى مصدر دائم للتوتر بين الجالية المغربية والسلطات المحلية.

وفي النهاية، قد تكون قضية عبد الرحيم فقير قد انتقلت، بعد بيان السفارة، من سؤال “أين كانت الدولة؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تدير الدولة حضورها الاتصالي عندما يكون أحد مواطنيها ضحية خارج الحدود؟

فالتحرك القنصلي، إذا ثبت أنه بدأ منذ اللحظات الأولى، يمثل جزءًا من الإجابة. أما الجزء الآخر، فلا يزال مرتبطًا بقدرة المؤسسات على بناء الثقة، وإقناع المواطنين بأن الدفاع عن حقوقهم لا يحدث فقط داخل المكاتب الدبلوماسية، بل يصل أيضًا إلى المجال العام، حيث تتشكل صورة الدولة في أعين أبنائها قبل أي طرف آخر.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img