مدريد ــ حين أعلن بيدرو سانشيز، الخميس، أمام مجلس النواب الإسباني، أن حكومته استدعت السفيرة المغربية في مدريد، كريمة بنيعيش، يوم 21 غشت، احتجاجاً على تصريحات وزيرين مغربيين بشأن سبتة ومليلية، بدا الأمر وكأنه حلقة جديدة في ملف قديم أكثر منه واقعة دبلوماسية بلا سوابق.
سانشيز قال إن التصريحات المغربية «غير مقبولة»، وجدد أمام البرلمان تأكيده أن سبتة ومليلية إسبانيتان، في وقت أكدت فيه حكومته أنها نقلت احتجاجها إلى الجانب المغربي. وبحسب ما كشفه رئيس الحكومة، فإن الاستدعاء جاء على خلفية تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق بشأن المدينتين.
لكن العودة إلى آخر مواجهة دبلوماسية مباشرة حول الملف تكشف شيئاً مهماً: عندما استدعت الخارجية الإسبانية بنيعيش في دجنبر 2020، لم تحمل السفيرة معها صيغة تراجع أو اعتذار عن الموقف المغربي. كان جوابها، كما نقلته وسائل إعلام إسبانية، أن موقف المغرب من سبتة ومليلية لم يتغير، وأنه لا يوجد في الأمر شيء جديد.
القصة تعود إلى 18 دجنبر 2020.
كان رئيس الحكومة المغربية آنذاك، سعد الدين العثماني، قد تحدث في مقابلة تلفزيونية عن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، وتطرق إلى سبتة ومليلية. قال إن المدينتين من الملفات التي «من الضروري أن يُفتح فيها النقاش»، وإن الجمود ظل قائماً بشأنهما، مضيفاً أن الملف مؤجل منذ خمسة أو ستة قرون، وأن الأولوية بالنسبة للمغرب في تلك المرحلة كانت قضية الصحراء.
لم يكن العثماني يدعو إلى تحرك فوري بشأن المدينتين. بل قال صراحة إن معالجة قضية الصحراء تأتي أولاً، وإن تدبير المغرب لقضاياه قرار سيادي.
مع ذلك، لم تمر تصريحاته في مدريد من دون رد.
في 21 دجنبر، استدعت كاتبة الدولة الإسبانية للشؤون الخارجية، كريستينا غالاش، السفيرة المغربية كريمة بنيعيش، وطلبت منها توضيحات بشأن تصريحات العثماني. وأبلغتها بأن الحكومة الإسبانية تنتظر من شركائها احترام سيادة إسبانيا ووحدة أراضيها. هذا الجزء من الواقعة موثق رسمياً في بيان صادر عن وزارة الخارجية الإسبانية آنذاك.
ما حدث داخل اللقاء لم يكن، في المقابل، مصحوباً ببيان مغربي رسمي مماثل في التفاصيل. لكن الصحافة الإسبانية نقلت مضمون الموقف الذي قدمته بنيعيش.
وبحسب ما أوردته مصادر إسبانية، أوضحت السفيرة أن الموقف المغربي لم يتغير، وأن تصريحات العثماني لم تكن إعلاناً عن سياسة جديدة. صحيفة Vozpópuli نشرت في ذلك الوقت أن الحكومة الإسبانية استدعت بنيعيش لطلب توضيحات، فيما نقلت مصادر أخرى أن السفيرة أوضحت أن المغرب يعتبر سبتة ومليلية أراضي محتلة وأن المسألة ليست جديدة في الموقف الرسمي المغربي.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تستحق التوقف عندها اليوم.
فالموقف المغربي الذي سمعته مدريد في 2020 لم يكن: «نحن بصدد تغيير الوضع القائم». كان أقرب إلى: الموقف معروف، ولم يتغير.
بعد ست سنوات، تغيرت الظروف السياسية كثيراً. العلاقة المغربية الإسبانية مرت بأزمة حادة، ثم دخلت مرحلة جديدة بعد التحول الإسباني في ملف الصحراء المغربية، وعادت الاتصالات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى مستوى أكثر انتظاماً. وعادت بنيعيش نفسها إلى مدريد في مارس 2022 بعد الأزمة الدبلوماسية.
لكن ملف سبتة ومليلية لم يختفِ.
ظل موجوداً في الخلفية، حتى عندما لم يكن يظهر في البيانات المشتركة أو في الخطاب العلني للحكومتين.
والآن خرج مرة أخرى إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر حساسية: بعد أزمة العبور الجماعي إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز، وبعد تصريحات لوزيرين مغربيين بشأن المدينتين.
في 21 غشت، أصدرت الخارجية الإسبانية موقفاً يؤكد أن سبتة ومليلية «مدينتان إسبانيتان» وأنهما جزء من السيادة الإسبانية ومن أراضي الاتحاد الأوروبي. لكن الحكومة لم تعلن في حينه أنها استدعت بنيعيش. وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس قال لاحقاً إن استدعاءات السفراء نادراً ما تُعلن للعموم.
ولذلك لم يُعرف إلا الخميس، من خلال مثول سانشيز أمام البرلمان، أن مدريد لجأت فعلاً إلى هذا الإجراء.
هنا تظهر أيضاً نقطة تحتاج إلى تدقيق.
فالحكومة الإسبانية تقول إن السفيرة استُدعيت. لكن وسائل إعلام إسبانية نشرت اليوم روايات متباينة حول ما إذا كانت بنيعيش موجودة شخصياً في إسبانيا يوم 21 غشت وما إذا كانت قد حضرت الاجتماع بنفسها، بينما تقول مصادر أخرى إن الاستدعاء وُجّه إلى السفارة وإن القنوات الدبلوماسية نقلت الرسالة إلى الجانب المغربي.
أي أن المؤكد هو أن مدريد تقول إنها استدعت السفيرة وأوصلت احتجاجها إلى الجانب المغربي، أما تفاصيل الحضور الشخصي للسفيرة وطريقة انعقاد اللقاء فتحتاج إلى فصلها عن الرواية السياسية العامة.
لكن العودة إلى 2020 تساعد في فهم ما ينتظر هذه القصة.
في تلك السنة، كان السؤال الإسباني موجهاً إلى السفيرة: ماذا يعني كلام رئيس الحكومة المغربية عن سبتة ومليلية؟
وكان الجواب، وفق ما نقلته المصادر الإسبانية، أن الموقف المغربي لم يتغير.
اليوم، السؤال الإسباني نفسه تقريباً عاد، لكن بعد أن أصبح ملف المدينتين مرتبطاً بأزمة حدودية وهجرة واسعة وبخطاب سياسي مغربي أكثر حضوراً في النقاش العلني.
ومن الصعب، استناداً إلى المعطيات المتاحة وحدها، القول إن المغرب انتقل من سياسة المطالبة السياسية إلى سياسة تغيير الوضع القائم. لا توجد في الوقائع التي أعلنها سانشيز أدلة تثبت ذلك. بل إن رئيس الحكومة الإسبانية نفسه، في القضية الأخرى المرتبطة بأزمة العبور، قال الخميس إنه لا توجد حتى الآن أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط أو نفذ عملية الدخول الجماعي إلى سبتة.
وهذا التفريق مهم.
فالمطالبة المغربية بسبتة ومليلية ليست جديدة، كما أن استدعاء السفيرة بسبب هذا الموقف ليس سابقة. الجديد هو أن الملف عاد إلى الطاولة في لحظة تتقاطع فيها السيادة والهجرة وأمن الحدود والعلاقة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم الآن أقل ارتباطاً بما إذا كانت بنيعيش ستكرر حرفياً جواب 2020، وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت مدريد والرباط ستتمكنان مرة أخرى من إبقاء هذا الخلاف داخل حدود اللغة الدبلوماسية، أم أن التطورات الأخيرة ستدفعه إلى مستوى آخر.
في دجنبر 2020 كان الجواب المغربي الذي نقلته المصادر الإسبانية بسيطاً: لا جديد في الموقف المغربي.
وبعد ست سنوات، يبدو أن الجديد ليس في أصل المطالبة نفسها، وإنما في الظروف التي عادت فيها إلى الواجهة.