لم تكن رحلة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو هذا الأسبوع زيارة عادية، حتى لو حاول الرئيس دونالد ترمب وصفها بأنها «شبه روتينية». فمجرد انتقال رئيس الـCIA إلى العاصمة الروسية في هذا التوقيت، وسط حرب أوكرانية تدخل عامها الخامس، وتوتر متصاعد بين واشنطن وطهران، ومخاوف غربية من اختبار روسي لصلابة حلف شمال الأطلسي، يكشف أن قنوات الاتصال السرية بين واشنطن وموسكو لا تزال تحتفظ بأهميتها عندما تصبح الدبلوماسية العلنية عاجزة عن إدارة المخاطر.
وتؤكد موسكو أن راتكليف التقى مسؤولين في الاستخبارات الروسية، من دون أن يجتمع بالرئيس فلاديمير بوتين. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن الرئيس الروسي أُبلغ بنتائج اللقاء، فيما وصف رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين الاجتماع بأنه «لقاء عمل» على مستوى أجهزة الاستخبارات.
لكن خلف هذا الوصف الرسمي الهادئ، ظهرت رواية أكثر حساسية في وسائل الإعلام الأميركية، مفادها أن راتكليف حمل إلى موسكو رسالة تحذير واضحة: لا تختبروا حلف الناتو بهجوم على إحدى دوله.
تحذير سري.. ولكن الرسالة واضحة
وفق ما نقلته شبكة CBS News عن أشخاص مطلعين على الأمر، حذّر راتكليف روسيا خلال زيارته من مهاجمة أي دولة عضو في الناتو، في ظل تقييمات استخباراتية أميركية ترى احتمال محاولة موسكو اختبار مدى استعداد الحلف للرد.
وتتوافق هذه الرواية مع تقرير وول ستريت جورنال الذي تحدث عن مهمة أكثر اتساعاً للزيارة، شملت التأكيد على التزام واشنطن بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، إلى جانب محاولة دفع موسكو نحو استئناف مسار التفاوض بشأن الحرب في أوكرانيا والابتعاد عن إيران.
لكن اللافت أن هذه الرواية لم تؤكدها واشنطن رسمياً.
بل إن ترمب نفسه قلل من أهمية المخاوف. وقال إن راتكليف كان في موسكو في زيارة «شبه روتينية»، ونفى أن تكون الرحلة مرتبطة بالخوف من هجوم روسي على الناتو. كما أكد أنه لا يعتقد أن بوتين سيهاجم أراضي الحلف.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الزيارة: الرسالة التي قد تكون واشنطن أرادت إيصالها إلى موسكو تختلف عن الرسالة التي أراد البيت الأبيض إيصالها إلى الجمهور.
لماذا يخشى الغرب اختبار المادة الخامسة؟
المخاوف الأميركية والأوروبية لا تعني بالضرورة أن روسيا تستعد لغزو شامل لدولة عضو في الناتو. السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو اختبار محدود ومدروس، يمكن أن يأخذ شكل توغل قصير، أو عملية تخريب، أو هجوم سيبراني، أو حادث عسكري غامض يسمح لموسكو باختبار السؤال الأصعب: هل سيتحرك الناتو فعلاً إذا تعرض أحد أعضائه لهجوم؟
وتشير التقارير التي رافقت زيارة راتكليف إلى أن دول البلطيق، خصوصاً إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، تقع في قلب هذه الحسابات، إلى جانب بولندا.
وقد نقلت RFE/RL عن مصادر مطلعة أن زيارة راتكليف كانت تهدف تحديداً إلى تحذير موسكو من مهاجمة دول الناتو، ولا سيما دول البلطيق.
لكن هذه المخاوف لا تعني أن قراراً روسياً بالهجوم قد اتُخذ. فحتى المصادر الغربية التي تتحدث عن الخطر تؤكد أن توقيت أي تحرك روسي محتمل وطبيعته لا يزالان غير محسومين.
موسكو تنفي.. لكنها لم تغلق الباب
من الجانب الروسي، جاء الرد سريعاً.
وصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف التقارير التي تتحدث عن تحذير أميركي من هجوم روسي على الناتو بأنها «قصص مخيفة» أو روايات «مقلقة» لا تعكس النيات الروسية.
لكن موسكو لم تتعامل مع الزيارة باعتبارها بلا قيمة.
فبحسب رويترز، أكد ناريشكين إجراء لقاء مع راتكليف، بينما وصف بيسكوف الاتصالات الاستخباراتية بأنها تطور إيجابي، رغم تحذيره من أن الوقت لا يزال مبكراً لمعرفة ما إذا كانت ستساعد في إخراج العلاقات الأميركية الروسية من «أعمق أزمة» تمر بها.
وهذا التفصيل مهم للغاية.
ففي العلاقات بين القوى الكبرى، قد تكون مجرد المحافظة على قناة اتصال مفتوحة إنجازاً بحد ذاته، خصوصاً عندما تكون الجيوش في حالة مواجهة غير مباشرة، وتصبح المعلومات الخاطئة أو سوء تقدير النيات أخطر من النيات العدائية نفسها.
إيران.. الوجه الآخر الأكثر حساسية للزيارة
إذا كان ملف الناتو يمثل الجانب الأوروبي من مهمة راتكليف، فإن إيران قد تكون الوجه الآخر الأكثر ارتباطاً مباشرة بأولويات إدارة ترمب.
فوفق تقارير أميركية، ناقش راتكليف مع الجانب الروسي أيضاً الدعم الروسي لإيران، في وقت تحاول فيه واشنطن تشديد الضغط الاقتصادي على طهران.
وتشير ABC News إلى أن إيران كانت ضمن الموضوعات التي أثيرت خلال لقاءات راتكليف في موسكو.
وهنا يمكن فهم سبب حساسية التوقيت.
فالولايات المتحدة لا تنظر إلى روسيا وإيران كملفين منفصلين تماماً. موسكو ترتبط بطهران بعلاقات استراتيجية وأمنية، بينما تخوض واشنطن صراعاً مفتوحاً مع إيران. وبالتالي فإن أي دعم روسي للمؤسسة العسكرية أو الاستخباراتية الإيرانية يمكن أن يغير حسابات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وأشارت واشنطن بوست إلى أن روسيا وإيران ترتبطان بشراكة استراتيجية، وأن موسكو قدمت لطهران، وفق معلومات أميركية، معلومات استهداف تتعلق بمواقع أصول عسكرية أميركية في المنطقة.
وهذا يعني أن رسالة راتكليف إلى موسكو قد تكون ذات طبيعتين:
في أوروبا: لا تختبروا الناتو.
وفي الشرق الأوسط: لا تساعدوا إيران على تجاوز الضغط الأميركي.
لماذا جاءت الزيارة الآن؟
التوقيت ربما يكون أهم من مضمون الرسائل نفسها.
فالولايات المتحدة تخوض في الوقت ذاته صراعاً مع إيران، بينما تستمر الحرب الروسية الأوكرانية من دون تسوية نهائية. وفي هذه البيئة، ترى موسكو فرصة محتملة لإعادة اختبار حدود القوة الأميركية.
وقد كشف تقرير لـ واشنطن بوست عن تقييمات استخباراتية أميركية تفيد بأن الكرملين قد يرى الولايات المتحدة أضعف نتيجة انخراطها في الحرب مع إيران، بما قد يفتح أمام روسيا فرصاً لتصعيد الضغط على المصالح الأميركية والحلفاء الأوروبيين.
وهنا تصبح زيارة راتكليف أقرب إلى عملية منع سوء تقدير استراتيجي.
فالرسالة ليست بالضرورة: «روسيا ستهاجم الناتو».
بل ربما تكون: «لا تفترضوا أن انشغال الولايات المتحدة بإيران يعني أن أوروبا أصبحت مكشوفة».
أوكرانيا حاضرة في خلفية المشهد
لا يمكن فصل زيارة راتكليف عن تطورات الحرب الروسية الأوكرانية.
فالهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل روسيا تصاعدت، بينما تواصل موسكو عملياتها العسكرية وضرباتها ضد الأراضي الأوكرانية.
وتزامنت الزيارة مع مرحلة شديدة الحساسية، دفعت واشنطن، وفق تقارير أميركية، إلى إبلاغ كييف مسبقاً بزيارة المسؤول الأميركي وطلب وقف مؤقت للضربات داخل روسيا أثناء وجوده هناك. وقد أوردت وكالة أسوشييتد برس هذه المعلومة نقلاً عن مسؤول أوكراني كبير.
وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تقدم دلالة إضافية: واشنطن أرادت على ما يبدو توفير بيئة هادئة للاتصال الاستخباراتي، ومنع أي حادث عسكري خلال الساعات الحساسة التي كان فيها مدير الـCIA داخل موسكو.
المفارقة: راتكليف ليس وليام بيرنز
تكتسب الزيارة ثقلاً إضافياً بسبب المقارنة التاريخية مع زيارة مدير الـCIA السابق وليام بيرنز إلى موسكو في نوفمبر 2021.
كان بيرنز قد ذهب إلى روسيا آنذاك في محاولة لتحذير بوتين من عواقب غزو أوكرانيا، وبعد نحو ثلاثة أشهر بدأت الحرب الشاملة.
أما راتكليف، فيأتي إلى موسكو بعد أكثر من خمس سنوات من الحرب، وفي وقت تتحدث فيه الاستخبارات الغربية عن احتمال انتقال روسيا من اختبار حدود أوكرانيا إلى اختبار صلابة الناتو.
لكن الفارق كبير.
بيرنز ذهب لمنع حرب لم تبدأ. أما راتكليف فيذهب في ظل حرب مستمرة، محاولاً منعها من التوسع إلى ساحة جديدة.
هل تستعد روسيا فعلاً لمهاجمة الناتو؟
الإجابة الأكثر دقة حتى الآن: لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بذلك.
فالروايات المتداولة مبنية إلى حد كبير على مصادر استخباراتية مجهلة، بينما تنفي موسكو وجود مثل هذه النيات، ويؤكد ترمب علناً أنه لا يتوقع هجوماً روسياً على الناتو.
وفي المقابل، فإن تعدد التقارير الأميركية والأوروبية حول مخاطر اختبار الحلف لا يمكن تجاهله.
كما أن سلسلة الحوادث التي شهدتها دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة، بما فيها اختراقات المجال الجوي وحوادث الطائرات المسيّرة واتهامات التخريب المرتبطة بروسيا، جعلت الحكومات الأوروبية أكثر حساسية تجاه أي تحرك روسي غير اعتيادي.
ولهذا فإن القضية ليست فقط هل تريد روسيا حرباً مع الناتو؟ وإنما: هل يمكن أن تقع مواجهة بسبب حادث محدود، أو سوء تقدير، أو عملية إنكار معقدة، ثم تتدحرج إلى أزمة أكبر؟
وهذه تحديداً هي البيئة التي تصبح فيها قنوات الاستخبارات بين واشنطن وموسكو ذات أهمية استثنائية.
الرسالة الأميركية الأوسع
يمكن قراءة مهمة راتكليف على ثلاثة مستويات متداخلة:
أولاً: الردع
إبلاغ موسكو بأن الانشغال الأميركي بإيران لا يعني التخلي عن الالتزامات تجاه الناتو.
ثانياً: الاحتواء
محاولة منع روسيا من استغلال الحرب الإيرانية لتوسيع هامش تحركها في أوروبا.
ثالثاً: التفاوض
الإبقاء على قناة اتصال مباشرة مع أجهزة الأمن الروسية في وقت تعثرت فيه القنوات السياسية التقليدية.
وهذا يفسر لماذا اختارت واشنطن مدير وكالة الاستخبارات المركزية تحديداً.
ففي الملفات شديدة الحساسية، لا تكون الرسائل السرية دائماً مجرد نقل معلومات؛ أحياناً تكون وسيلة لتحديد الخطوط الحمراء قبل اختبارها.
موسكو لم تتلقَّ إعلان حرب.. بل إنذاراً محسوباً
زيارة جون راتكليف إلى موسكو لا تكشف، في حد ذاتها، عن قرار روسي بالهجوم على الناتو، كما لا تثبت أن الولايات المتحدة تستعد لمواجهة مباشرة مع روسيا.
لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية: واشنطن باتت تتعامل مع احتمال اتساع دائرة المخاطر الروسية بجدية كافية لإرسال مدير الـCIA شخصياً إلى موسكو.
وفي الوقت نفسه، فإن إدخال إيران في المحادثات يكشف أن إدارة ترمب تنظر إلى موسكو وطهران ضمن شبكة واحدة من التحديات الاستراتيجية، خصوصاً مع استمرار الحرب مع إيران ومحاولة واشنطن تقليص الدعم الذي تتلقاه طهران من حلفائها.
أما بوتين، فيواجه معادلة معقدة: الحرب في أوكرانيا لم تنتهِ، والولايات المتحدة منشغلة بجبهة إيرانية، وأوروبا تعيد بناء قدراتها الدفاعية، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي اختبار روسي محدود للناتو إلى فتح مواجهة أكبر مما تريد موسكو أو واشنطن.
ولهذا قد تكون أهم رسالة حملها راتكليف إلى موسكو ليست أن الحرب قادمة، وإنما أن ثمن اختبار حدود الغرب قد يكون أعلى بكثير مما تتوقعه موسكو.
والأهم أن قنوات الاتصال الاستخباراتي نفسها، التي تبدو في ظاهرها غامضة، قد تكون في هذه المرحلة واحدة من آخر صمامات الأمان بين قوتين نوويتين تقفان على جانبي حرب أوروبية لم تجد طريقها إلى النهاية بعد.



