ذات صلة

أحدث المقالات

حلّ «قسد».. نهاية القوة الكردية المستقلة وبداية الاختبار الأصعب لسوريا الجديدة

أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اليوم...

70 ألف «جاسوس»؟ ما تكشفه ثغرات تسريب «جبروت» عن حرب البيانات بين المغرب وإسبانيا

أحياناً لا تكون المشكلة في أن بيانات سرية خرجت من مكان ما، بل في الطريقة التي يعاد بها تقديمها بعد خروجها. في عالم الأمن السيبراني، يمكن لقاعدة بيانات قديمة أن تعود إلى الحياة بعنوان جديد، ويمكن لموظف إداري أن يتحول في عنوان صحافي إلى «جاسوس»، ويمكن لرقم ضخم أن يمنح ملفاً هشاً قوة لا توفرها الأدلة نفسها.

هذا تقريباً ما حدث مع الملفات التي نشرتها مجموعة القرصنة التي تطلق على نفسها اسم «جبروت» مساء 24 غشت، وقالت إنها تكشف هويات نحو 70 ألف عنصر يعملون في أجهزة الأمن والاستخبارات المغربية. الرقم انتشر سريعاً، ثم سبقه الوصف: «70 ألف جاسوس مغربي». وبعدها بدأت التفاصيل تتراجع إلى الخلف.

المسألة هنا ليست ما إذا كانت «جبروت» قد نشرت ملفات حقيقية أو مزورة بالكامل. المعطيات المتاحة حتى الآن لا تسمح بأي من الحكمين. السؤال الأكثر دقة هو: ماذا تحتوي هذه الملفات فعلاً، ومن أين جاءت، ومتى جُمعت، ولماذا جرى تقديمها باعتبارها قائمة لعناصر استخبارات؟

هذه الأسئلة تغير طبيعة القصة.

صحيفة «لوموند» قالت إنها اطلعت على الجداول الأربعة، وتعاملت معها بحذر واضح. فبدلاً من اعتبارها سجلاً حديثاً لأجهزة الاستخبارات المغربية، أشارت إلى أن طبيعة البيانات توحي بقاعدة مرتبطة بخدمة أو برنامج لتدبير الأجور، كما لاحظت أن أحدث تاريخ توظيف ظاهر فيها يعود إلى سنة 2020. والأهم أن الصحيفة لم تعتبر أصالة القوائم مثبتة بصورة قاطعة.

وهذا التفصيل ليس تقنياً هامشياً. إذا كانت قاعدة البيانات قديمة، فإنها لا تقول بالضرورة من يعمل اليوم داخل هذه الأجهزة. وإذا كانت قاعدة بيانات للموظفين، فهي لا تقول تلقائياً إن كل من ورد اسمه فيها عنصر استخبارات.

بل إن بعض الأسماء تجعل المسألة أكثر وضوحاً.

عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، يظهر ضمن الأسماء المتداولة، رغم أنه توفي في 23 غشت 2022. ووفاته ليست معلومة متنازعاً عليها؛ فقد أعلنتها مصادر مغربية رسمية وإعلامية في حينها.

وجود اسم رجل توفي قبل أربع سنوات تقريباً لا يثبت وحده أن كامل الملف مزور. لكنه يثبت شيئاً أكثر أهمية: أن البيانات، إذا كانت حقيقية في جزء منها، ليست بالضرورة صورة آنية عن جهاز أمني قائم في سنة 2026.

وهنا تظهر مشكلة ثانية أكثر جوهرية. القوائم، بحسب التدقيق المنشور، تخلط بين موظفين تابعين للمديرية العامة للأمن الوطني DGSN وموظفين مرتبطين بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST. وفي العينة التي جرى فحصها ظهرت أسماء يمكن مطابقتها مع موظفين إداريين، إلى جانب أسماء يصعب مطابقتها أو تبدو فيها أخطاء وتركيبات غير طبيعية.

ذلك يعني أن كلمة «جواسيس» جاءت من صاحب التسريب، ثم تحولت في بعض التغطيات إلى حقيقة خبرية.

وهنا بالضبط يجب أن يتدخل العمل الصحافي.

«The Objective» مثلاً قدمت الرقم على أنه 70,381 شخصاً، وقالت إنها عثرت داخل القائمة على أسماء موظفين في السفارة المغربية بمدريد، وذهبت إلى طرح احتمال أن تكون وظائفهم الدبلوماسية غطاءً للعمل الاستخباراتي. لكن مجرد وجود اسم دبلوماسي في ملف منسوب إلى أجهزة أمنية لا يثبت أن صاحبه يعمل سراً لصالح الاستخبارات. وحتى في المثال الذي أوردته الصحيفة، هناك اختلافات في أسماء الأشخاص بين القائمة الرسمية والقائمة المسربة، وهو تفصيل يفترض أن يدفع إلى مزيد من التحقق لا إلى مزيد من اليقين.

مع ذلك، سيكون من الخطأ قلب الرواية تماماً والقول إن «لا شيء هنا».

هناك بالفعل بيانات شخصية منسوبة إلى أشخاص مرتبطين بالمؤسسات الأمنية المغربية. وهناك ملفات بحجم كبير نشرتها المجموعة. وهناك تاريخ سابق لـ«جبروت» في الحصول على بيانات مغربية حساسة. ففي أبريل 2025، ارتبط اسم المجموعة باختراق قاعدة بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتسريب بيانات ملايين المغاربة، قبل أن تتواصل لاحقاً عمليات نشر معلومات تخص موظفين في مؤسسات عمومية وأجهزة أمنية. كما أن «لوموند» سبق أن رصدت استمرار المجموعة في نشر بيانات جديدة، مع تحذير من صعوبة التأكد دائماً من أن الحسابات المختلفة تعود إلى الجهة نفسها.

وهنا تظهر فرضية أكثر واقعية من قصة «70 ألف جاسوس».

قد يكون جزء من المواد المسربة حقيقياً، لكن جرى إعادة تجميع بيانات قديمة من مصادر مختلفة وإعادة تقديمها في إطار استخباراتي جديد. هذا ما تسميه الأوساط التقنية أحياناً إعادة تغليف البيانات أو repackaging. صحيفة «Médias24» ذهبت في هذا الاتجاه بعد فحص الملفات، واعتبرت أن قسماً كبيراً من الأسماء يعود على الأرجح إلى موظفين في DGSN، وربطت ذلك بإمكانية الوصول إلى قواعد بيانات عمومية سبق اختراقها.

وهذا التفسير يفسر أشياء لا تفسرها رواية «70 ألف جاسوس»: لماذا نجد موظفين إداريين؟ لماذا تظهر بيانات قديمة؟ لماذا يظهر شخص متوفى؟ ولماذا تختلط مؤسسات أمنية مختلفة داخل ملف واحد؟

لكن هناك طبقة أخرى في القصة لا يمكن تجاهلها.

التسريب جاء بعد أزمة سبتة، وفي لحظة سياسية وإعلامية شديدة الحساسية بين المغرب وإسبانيا. وقد حاولت «جبروت» نفسها الربط بين البيانات وبين أحداث 30 و31 يوليوز، مدعية امتلاكها معلومات عن مسؤولين أمنيين شاركوا في «تنظيم» العملية. بعض وسائل الإعلام الإسبانية لم تكتف بنشر التسريب، بل ربطته مباشرة بفرضية تورط الأجهزة المغربية في أزمة الهجرة. صحيفة «El Debate»، مثلاً، قدمت مزاعم المجموعة حول عبد اللطيف حموشي باعتبارها جزءاً من رواية أوسع عن الأزمة، مع الإشارة إلى أن المجموعة تتهمه بالمسؤولية عن العملية.

وهنا يصبح التوقيت جزءاً من القصة، لا مجرد خلفية لها.

أزمة سبتة نفسها لم تُحسم روايتها حتى الآن. «لوموند» كانت قد نقلت عن مصادر مغربية ومراقبين فرضية مختلفة عن الرواية الإسبانية التي تتحدث عن عملية منظمة من الرباط، وهي أن ما حدث ربما كان سلسلة من ردود الفعل المتسارعة وفشلاً أمنياً أكثر منه عملية مخططاً لها مركزياً.

لذلك فإن إدخال «قائمة 70 ألف جاسوس» في هذه القصة يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية واضحة، حتى قبل أن نعرف من يقف تقنياً وراء الملفات.

لكن المفارقة أن وسائل الإعلام الإسبانية نفسها ليست على موقف واحد. «La Razón»، التي قدمت في البداية قصة «70 ألف عميل مغربي»، نشرت لاحقاً أن خبراء في الاستخبارات والأمن السيبراني يشككون في الرقم، وأن التحقيق هو الذي يجب أن يحسم طبيعة البيانات.

وفي المقابل، ظهرت تغطيات أخرى ما زالت تتعامل مع الرقم ومع وصف «عملاء» أو «جواسيس» باعتبارهما نقطة انطلاق شبه محسومة. هذا التفاوت مهم لأنه يبين كيف يمكن لخبر سيبراني غير مكتمل التحقق أن ينتقل من قناة مجهولة على «تلغرام» إلى عناوين صحافية، ثم يعود إلى المصدر نفسه بوصفه «تأكيداً إعلامياً».

اليوم، أضافت «لوموند» طبقة جديدة إلى الملف، عندما قالت إن معلوماتها تشير إلى أن المجموعة وراء التسريب تتكون من خمسة عناصر سابقين من DGST يقيمون في أوروبا. إذا تأكدت هذه الفرضية تقنياً، فإن القصة ستتغير جذرياً: لن يكون السؤال فقط عن قاعدة بيانات مسربة، بل عن كيفية خروجها ومن كان يملك القدرة على الوصول إليها. لكن حتى هذه المعلومة تظل، في هذه المرحلة، معلومة منسوبة إلى مصادر الصحيفة وليست حقيقة قضائية معلنة.

لهذا، فإن أكثر عنوان إثارة في الملف قد يكون في الحقيقة أقل العناوين دقة.

لا توجد، حتى الآن، أدلة مستقلة تسمح بالقول إن المغرب فقد «قائمة 70 ألف جاسوس». وفي الوقت نفسه، لا توجد معطيات كافية تسمح بإغلاق الملف باعتباره مجرد اختلاق كامل.

المنطقة الواقعة بين الحالتين هي القصة الحقيقية.

هناك بيانات تبدو حقيقية، وأخرى تحتاج إلى مطابقة، وقاعدة يبدو أن جزءاً منها قديم، وأسماء لموظفين إداريين، واسم رجل متوفى، ومؤسسات مختلفة جرى جمعها تحت عنوان واحد، وسياق سياسي يجعل كل معلومة قابلة للاستثمار بسرعة.

وهذا ما يجعل التسريب أخطر من مجرد رقم مبالغ فيه. فالمعركة هنا لم تعد فقط حول سرية البيانات، وإنما حول من يملك حق تعريفها وتفسيرها بعد أن تتسرب.

«جبروت» تقول إنها كشفت 70 ألف جاسوس.

بعض وسائل الإعلام قالت إنهم 70 ألف عميل.

أما ما يمكن قوله مهنياً حتى الآن فهو أقل إثارة، لكنه أكثر صلابة: هناك تسريب يستحق التحقيق، وبيانات تستحق الفحص، وثغرات كافية لإسقاط الرواية الجاهزة التي حولت كل اسم في قاعدة بيانات إلى «جاسوس».

وفي حرب المعلومات، قد تكون هذه هي النقطة الأخطر: ليس أن تكون البيانات صحيحة أو خاطئة بالكامل، بل أن تكون صحيحة جزئياً بما يكفي لبناء قصة أكبر منها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img