ذات صلة

أحدث المقالات

حلّ «قسد».. نهاية القوة الكردية المستقلة وبداية الاختبار الأصعب لسوريا الجديدة

أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اليوم...

حلّ «قسد».. نهاية القوة الكردية المستقلة وبداية الاختبار الأصعب لسوريا الجديدة

أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اليوم الثلاثاء، 25 غشت (أغسطس/آب) 2026 الجاري، انتهاء مهمة القوات وحلّها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عملية دمج قواتها في ألوية الجيش السوري، في خطوة تمثل واحدة من أكبر التحولات السياسية والعسكرية في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد.

وجاء الإعلان من قصر الشعب في دمشق، عقب لقاء عبدي بالرئيس السوري أحمد الشرع، ليضع حداً، على المستوى الرسمي، لمرحلة امتدت أكثر من عقد كانت خلالها «قسد» القوة العسكرية الأبرز في شمال شرقي سوريا، وشريكاً رئيسياً للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم «داعش».

لكن أهمية القرار لا تكمن في اختفاء اسم «قسد» فقط، بل في السؤال الأعمق: هل يمثل حل القوة الكردية بداية توحيد فعلي للدولة السورية، أم أن أصعب مراحل الاتفاق تبدأ الآن، مع انتقال الخلاف من ساحات القتال إلى تفاصيل السلطة والجيش والحقوق الكردية؟

إعلان يطوي صفحة «قسد» العسكرية

قال عبدي في كلمته إن الظروف تغيرت، وإن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سوريا الجديدة، مؤكداً أن قرار الحل جاء بعد الاتفاق مع الرئيس الشرع واستكمال دمج القوات ضمن ألوية الجيش السوري.

ووفق وكالة الأنباء السورية «سانا»، فإن الإعلان جاء بعد اكتمال عملية دمج القوات، بينما أفادت تقارير عربية ودولية بأن الخطوة تشمل أيضاً تفكيك الهياكل العسكرية والأمنية والإدارية التابعة للإدارة الذاتية ودمجها في مؤسسات الدولة.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: القرار ليس انسحاباً عسكرياً بالمعنى التقليدي، وإنما إعادة تعريف لموقع القوة الكردية داخل الدولة السورية.

فبدلاً من وجود قوة مسلحة مستقلة تسيطر على مساحة واسعة من البلاد، ينتقل مقاتلوها إلى مؤسسات الجيش والأمن السورية وفق الترتيبات المتفق عليها مع دمشق.

اتفاق يناير.. الطريق الذي انتهى بحل «قسد»

لم يأت إعلان 25 غشت (أغسطس/ آب) الجاري بصورة مفاجئة. فهو يمثل المرحلة الأخيرة من مسار بدأ باتفاق 29 يناير(كانون الثاني) 2026، الذي نص على وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لقسد في مؤسسات الدولة السورية.

وكان الاتفاق قد جاء بعد تغير كبير في ميزان القوى على الأرض، إذ استعادت القوات الحكومية مناطق واسعة كانت خاضعة لقسد خلال عملية عسكرية في شمال وشرق سوريا. وتشير وكالة «رويترز» إلى أن الاتفاق جاء بعد حملة حكومية سريعة أعادت لدمشق السيطرة على أجزاء مهمة من الأراضي التي كانت تديرها القوات الكردية.

وهذا يعني أن الحل الحالي لا يمكن قراءته بمعزل عن تغير البيئة العسكرية والسياسية التي كانت تسمح لقسد بالحفاظ على استقلالها النسبي.

فالقوة الكردية كانت تمتلك في السابق أوراقاً مهمة: السيطرة على مناطق واسعة، جهازاً إدارياً، قوات عسكرية كبيرة، ودعماً أميركياً مباشراً.

أما اليوم، فقد أصبح الخيار المطروح مختلفاً: الحفاظ على جزء من النفوذ داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من محاولة الحفاظ على كيان عسكري وإداري مستقل.

من «قوة مستقلة» إلى ألوية داخل الجيش

أحد أهم جوانب الاتفاق يتمثل في شكل الدمج العسكري.

وكان عبدي قد قال قبل أيام، في مقابلة مع شبكة «روداو»، إن عملية الانضمام إلى الجيش السوري ستكتمل خلال غشت (أغسطس/ آب) الجاري، فيما تحدثت مصادر كردية عن إعادة تنظيم القوات في صورة ألوية محلية داخل المؤسسة العسكرية السورية.

وتكشف هذه التفاصيل أن الحل القانوني والسياسي لقسد لا يعني بالضرورة خروج كوادرها العسكرية من المشهد.

فالاختبار الحقيقي سيكون في كيفية توزيع القوات، وسلسلة القيادة، ومواقع الضباط، وآلية إدارة المناطق ذات الغالبية الكردية، ومدى احتفاظ العناصر السابقة بقنوات تمثيل وتأثير داخل الجيش الجديد.

وهذه ملفات قد تبدو تقنية، لكنها في الواقع ستحدد شكل الدولة السورية لسنوات.

لماذا قبل الأكراد بهذه الصيغة؟

بالنسبة إلى القيادة الكردية، يبدو أن المعادلة تغيرت بصورة جذرية.

فقسد كانت شريكاً عسكرياً رئيسياً للولايات المتحدة في الحرب ضد «داعش»، وقد لعبت دوراً أساسياً في استعادة الرقة وهزيمة التنظيم في آخر معاقله الإقليمية عام 2019. لكن البيئة السياسية التي أنتجت هذا التحالف تغيرت بعد سقوط الأسد وتقارب واشنطن مع السلطة الجديدة في دمشق.

وفي هذه الظروف، أصبح الرهان الكردي يتحول تدريجياً من الحصول على حكم ذاتي واسع خارج مؤسسات الدولة إلى ضمان حقوق كردية داخل الدولة السورية الجديدة.

وهذا يفسر تركيز عبدي، في خطابه الأخير، على قضية التعليم باللغة الكردية، وعلى ما وصفه بالموقف المنفتح للرئيس الشرع تجاه الحقوق الثقافية والتعليم باللغة الأم.

بمعنى آخر، يبدو أن المعركة انتقلت من سؤال: «هل تبقى هناك قوة كردية مستقلة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما الذي سيحصل عليه الأكراد داخل سوريا الموحدة؟

واشنطن ترى في الخطوة «لحظة تاريخية»

الموقف الأميركي مهم للغاية، لأنه يكشف حجم التحول في السياسة تجاه شمال شرقي سوريا.

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير واشنطن لدى تركيا، توم باراك، وصف حل قسد واندماجها في مؤسسات الدولة السورية بأنه «حدث تاريخي»، وقال إن قيادة الرئيس دونالد ترامب فتحت الطريق أمام اندماج منظم لقسد داخل الدولة السورية.

كما ربط باراك بين الاندماج وضمان الحقوق الكردية، بما في ذلك التعليم باللغة الكردية، معتبراً أن العملية تحول الانقسامات السابقة إلى شراكة داخل الدولة. وختم رسالته السياسية بعبارة تختصر الرؤية الأميركية الجديدة: جيش واحد، حكومة واحدة، دولة واحدة.

وهذا الموقف يعكس تغيراً مهماً في الأولويات الأميركية.

فواشنطن كانت لسنوات تعتمد على قسد باعتبارها شريكها المحلي الأبرز ضد «داعش». أما الآن، فتبدو الأولوية الأميركية أكثر ارتباطاً بتوحيد مؤسسات الدولة السورية ومنع تحول شمال شرقي البلاد إلى بؤرة صراع جديدة.

تركيا.. الرابح الصامت من التحول

لا يمكن تحليل حل قسد دون وضع تركيا في قلب المشهد.

فأنقرة تنظر منذ سنوات إلى وحدات حماية الشعب الكردية، التي تشكل العمود الفقري لقسد، باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وترفض وجود بنية عسكرية كردية مستقلة على حدودها الجنوبية.

لذلك فإن انتقال هذه القوات إلى الجيش السوري يمثل، من منظور الأمن التركي، تحولاً مهماً: انتهاء صيغة القوة الكردية المسلحة المستقلة على الحدود السورية التركية.

وكالة الأناضول التركية قدمت القرار باعتباره خطوة باتجاه استعادة سلطة الدولة السورية الموحدة، وربطته باتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الذي نص على وقف إطلاق النار والدمج التدريجي.

لكن نجاح هذه المعادلة سيعتمد على مدى قدرة دمشق وأنقرة وواشنطن على منع ظهور صيغة جديدة تحمل الاسم نفسه أو وظيفة مشابهة.

دمشق.. انتصار للدولة أم بداية مسؤولية جديدة؟

بالنسبة إلى الرئيس أحمد الشرع، يمثل الاتفاق مكسباً سياسياً واضحاً.

فدمشق تقترب خطوة إضافية من استعادة احتكار الدولة للسلاح، بعد سنوات من تعدد القوى العسكرية ومراكز النفوذ.

كما أن دمج مؤسسات شمال شرقي البلاد يعني توسيع سلطة الحكومة على منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة، تضم موارد نفطية وزراعية ومائية مهمة.

وتؤكد الرئاسة السورية أن لقاء الشرع وعبدي تناول خطوات المرحلة المقبلة لتعزيز حضور الدولة ودعم الأمن والاستقرار.

لكن الانتصار السياسي يضع دمشق أمام مسؤولية أكبر: هل تستطيع الدولة الجديدة إدارة المنطقة من دون العودة إلى سياسات الإقصاء أو المركزية الأمنية التي عانى منها السوريون لعقود؟

هذه ستكون النقطة الفاصلة.

النفط والموارد.. ملف حساس خلف الكواليس

شمال شرق سوريا ليس مجرد مساحة جغرافية.

المنطقة التي كانت تحت نفوذ الإدارة الذاتية تضم بعض أهم حقول النفط السورية، فضلاً عن أراضٍ زراعية ومصادر مياه.

ولهذا فإن انتقال الإدارة العسكرية والمدنية إلى الدولة يعني عملياً انتقال السيطرة على موارد استراتيجية إلى دمشق.

ومن هنا يمكن فهم أهمية الاتفاق بالنسبة إلى مشروع إعادة بناء الدولة السورية، خصوصاً أن دمشق تحتاج إلى الموارد المحلية لتمويل الخدمات وإعادة الإعمار بعد سنوات الحرب.

لكن توزيع عائدات هذه الموارد سيصبح واحداً من الملفات الحساسة في العلاقة بين المركز والمناطق الكردية.

الحقوق الكردية.. الاختبار الأصعب

إذا كان حل «قسد» يمثل نجاحاً لدمشق من الناحية العسكرية، فإن ملف الحقوق الكردية سيكون الاختبار السياسي الحقيقي.

«روداو» نقلت في الأسابيع الأخيرة عن مسؤولين وقيادات مرتبطة بعملية الدمج مناقشة ملفات تتعلق بالتعليم الكردي، والاعتراف بالشهادات الجامعية الصادرة عن مناطق الإدارة الذاتية، وترتيبات المؤسسات المحلية.

كما أعلن عبدي أن المرحلة المقبلة ستتركز على العمل السياسي لضمان حقوق الأكراد في الدستور، وهي نقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تعني أن القيادة الكردية لا تعتبر نهاية الإدارة الذاتية نهاية لمشروعها السياسي.

بل العكس تماماً.

انتهى مشروع الإدارة المنفصلة، لكن مشروع تثبيت الحقوق الكردية داخل الدولة السورية بدأ الآن.

وهذا يفسر أيضاً تأكيد عبدي على التعليم باللغة الكردية، باعتباره واحداً من الحقوق التي طالب بها الأكراد منذ عقود.

هل انتهت الإدارة الذاتية فعلاً؟

رغم الإعلان السياسي عن الحل، يجب التفريق بين حل الهياكل المستقلة وبين اختفاء النفوذ الاجتماعي والسياسي الكردي.

فقسد والإدارة الذاتية لم تكونا مجرد تشكيل عسكري؛ بل نشأت حولهما مؤسسات مدنية وأمنية وإدارية وشبكات محلية واسعة.

ولهذا فإن عملية الدمج ستحتاج إلى وقت، حتى لو أعلنت القيادة السياسية اكتمالها.

وتشير وكالة «رويترز» إلى أن عناصر وحدات حماية الشعب، وهي مكوّن رئيسي في قسد، كانوا قد بدأوا بالفعل الاندماج، كما عُيّن القيادي سيبان حمو نائباً لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية في مارس (آذار) الماضي.

وهذا يشير إلى أن دمشق لا تتعامل بالضرورة مع القيادات الكردية باعتبارها خصماً مهزوماً، وإنما تحاول استيعاب جزء منها داخل النظام الجديد.

ماذا عن «داعش»؟

هنا تظهر مفارقة مهمة.

قسد تأسست وتعززت أساساً في سياق الحرب على تنظيم «داعش»، ولذلك فإن حلها يطرح سؤالاً أمنياً حول مستقبل مكافحة التنظيم في البادية وشمال شرقي سوريا ومراكز احتجاز عناصره.

لكن واشنطن تقول إن الهدف من دمج قسد هو الحفاظ على الأمن داخل إطار الدولة السورية، وليس ترك فراغ أمني.

وهذا مهم لأن أي انهيار أمني في المنطقة يمكن أن يمنح «داعش» فرصة لإعادة بناء شبكاته.

لذلك ستكون قدرة الجيش والأجهزة الأمنية السورية على استيعاب العناصر السابقة من قسد، والحفاظ على عمليات مكافحة التنظيم، عاملاً أساسياً في اختبار الاتفاق.

«نهاية الحلم الكردي».. أم إعادة صياغته؟

صحيفة «لوموند» الفرنسية تناولت التطور في إطار نهاية آمال الحكم الذاتي الكردي في سوريا، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تعهد عبدي بمواصلة النضال السياسي لإدراج الحقوق المشروعة للأكراد في الدستور.

وهذه ربما تكون القراءة الأكثر دقة للتحول.

فإذا كان المقصود بالحكم الذاتي وجود قوة عسكرية وإدارة منفصلة عن دمشق، فإن هذا النموذج انتهى بالفعل.

أما إذا كان المقصود حصول الأكراد على حقوق ثقافية وسياسية وإدارية ضمن دولة سورية موحدة، فإن المعركة لم تنته بعد.

لقد تغيرت أدواتها فقط.

ثلاث نتائج كبرى لإعلان حل «قسد»

أولاً: دمشق تتقدم نحو احتكار السلاح

حل القوة العسكرية المستقلة يزيل أحد أكبر التحديات أمام بناء جيش سوري موحد.

ثانياً: الأكراد يخسرون ورقة القوة العسكرية مقابل ورقة سياسية

لم يعد بإمكانهم التفاوض مع دمشق انطلاقاً من قوة عسكرية مستقلة، لكنهم يحتفظون بوزن سياسي واجتماعي كبير.

ثالثاً: الولايات المتحدة وتركيا تدعمان مساراً واحداً

رغم اختلاف مصالحهما التاريخية في سوريا، فإن توحيد المؤسسات العسكرية السورية يبدو حالياً نقطة التقاء مهمة بين واشنطن وأنقرة ودمشق.

ما الذي يمكن أن يفشل الاتفاق؟

رغم الطابع التاريخي للإعلان، فإن نجاحه ليس مضموناً.

هناك خمسة اختبارات رئيسية:

سلسلة قيادة الجيش: هل يكون الدمج فعلياً أم مجرد إعادة تسمية للقوات؟

الحقوق الكردية: هل تتحول الوعود بشأن اللغة والثقافة إلى نصوص دستورية وقوانين قابلة للتطبيق؟

إدارة الموارد: كيف ستدار حقول النفط والموارد الاقتصادية في الشمال الشرقي؟

الأمن المحلي: هل ستشعر المجتمعات الكردية والعربية في المنطقة بالأمان تحت مؤسسات الدولة؟

العلاقة مع تركيا: هل تعتبر أنقرة أن الترتيبات الجديدة أنهت فعلاً خطر وجود بنية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني على حدودها؟

هذه الملفات ستحدد ما إذا كان إعلان 25 غشت (أغسطس/ آب) مجرد نهاية لقوة عسكرية أم بداية فعلية لتسوية سورية أوسع.

«قسد» انتهت.. لكن معركة سوريا لم تنته

إعلان مظلوم عبدي حل قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة يمثل لحظة مفصلية في تاريخ سوريا الحديثة.

لقد انتقلت البلاد خطوة إضافية من عصر الفصائل والجيوش المتعددة إلى نموذج الدولة ذات المؤسسة العسكرية الواحدة. وهو تحول رحبت به واشنطن، ووصفه مبعوثها توم باراك بأنه تاريخي، بينما تعتبره دمشق خطوة نحو تعزيز السيادة والوحدة.

لكن التاريخ لا يُكتب بالإعلانات وحدها.

السؤال الآن ليس ماذا حدث لقسد، بل ماذا سيحدث بعد قسد.

إذا نجحت دمشق في تحويل الاتفاق إلى شراكة سياسية حقيقية، وضمنت الحقوق الكردية، واستوعبت المقاتلين والمؤسسات دون إقصاء، فقد يصبح حل «قسد» أحد أهم أبواب بناء سوريا الجديدة.

أما إذا بقي الدمج عسكرياً فقط، من دون تسوية سياسية ودستورية عادلة، فقد تنتقل الأزمة من الجبهات إلى المؤسسات.

وفي هذه الحالة، لن تكون «قسد» قد اختفت بقدر ما تكون قد غيّرت شكل المعركة وأدواتها.

مصطفى الكردي
مصطفى الكردي
محرر شؤون سياسية واقتصادية - مدير مكتب مجلة الدبلوماسية المغربية بالقاهرة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img