ذات صلة

أحدث المقالات

كولومبيا تغيّر البوصلة… وتعترف بسيادة المغرب على الصحراء

لم يكن إعلان كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على...

«عايشة» في عمّان.. حين تصبح السينما مرآة للوجع الذي لا يُقال

في جبل القلعة الأثري، حيث تتجاور طبقات التاريخ في...

كولومبيا تغيّر البوصلة… وتعترف بسيادة المغرب على الصحراء

لم يكن إعلان كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على صحرائها مجرد تعديل في صياغة دبلوماسية أو تبديل لعبارة في بيان رسمي. ما حدث في كالي، الجمعة، يحمل دلالة سياسية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الرباط وبوغوتا، لأنه ينقل واحداً من مواقف أمريكا اللاتينية من خانة الاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية» إلى خانة الاعتراف بالسيادة المغربية، ويفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة في ملف ظل لسنوات يتقاطع فيه الدبلوماسي بالإقليمي والجيوسياسي.

الإعلان جاء عقب لقاء جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار. وهناك، لم يترك الجانب الكولومبي مساحة كبيرة للتأويل؛ فقد أعلن إسكوبار صراحة أن بلاده «تعترف بسيادة المغرب على صحرائه»، واضعاً بذلك حداً لمرحلة كانت فيها بوغوتا تتبنى موقفاً مغايراً، بعدما أعادت في عهد الرئيس غوستافو بيترو الاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية» وأعادت العلاقات معها سنة 2022.

وهنا تكمن أهمية القرار: كولومبيا لا تضيف فقط موقفاً إلى رصيد المغرب، بل تسحب موقفاً كان محسوباً على الطرف الآخر. والفرق بين الأمرين سياسي بامتياز. فالدبلوماسية المغربية لا تقيس التحولات فقط بعدد الدول التي تعلن تأييدها، وإنما أيضاً بعدد الدول التي تعيد النظر في مواقف سابقة وتعيد ترتيب حساباتها تجاه النزاع.

وقد بدا أن التحول الكولومبي لا ينفصل عن التحول السياسي الذي عرفته البلاد نفسها. فانتخاب أبيلاردو دي لا إسبريلا رئيساً لكولومبيا أفرز بيئة سياسية جديدة أكثر ابتعاداً عن الخط الذي طبع عهد بيترو، وهو ما سبق أن دفع مراقبين إلى توقع إعادة تموضع بوغوتا تجاه ملف الصحراء. واليوم، جاءت الخطوة الدبلوماسية لتمنح ذلك التحول السياسي ترجمة خارجية واضحة.

لكن اختزال القرار في التغيير السياسي الداخلي وحده سيكون قراءة ناقصة. فبوغوتا لا تعلن فقط موقفاً من نزاع جغرافي بعيد عنها بآلاف الكيلومترات، بل تعيد تعريف علاقة تعتبرها ذات قيمة استراتيجية. نائب الرئيس الكولومبي وصف المغرب بأنه «الحليف الأول لكولومبيا في إفريقيا»، وأعلن رغبة بلاده في بناء شراكة استراتيجية معه. بذلك، يصبح ملف الصحراء جزءاً من إعادة بناء أوسع للعلاقات المغربية الكولومبية، وليس ملفاً منفصلاً عن المصالح الاقتصادية والسياسية التي تريد الدولتان تطويرها.

وهذا بالتحديد ما يفسر اللغة التي اختارها ناصر بوريطة. فالوزير المغربي لم يتعامل مع القرار باعتباره مكسباً رمزياً فقط، بل وصفه بأنه «تاريخي»، وربطه مباشرة بإمكانية إعطاء دفعة قوية للعلاقات الثنائية. والأهم أنه وضع التحول في إطار اقتصادي وجيوسياسي، عندما تحدث عن إمكانية أن يشكل المغرب وكولومبيا منصتين اقتصاديتين متبادلتين، يستفيد كل طرف من موقع الآخر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

المعنى الأعمق هنا أن الرباط لا تريد أن تبقى قضية الصحراء محصورة في منطق «الاعترافات» وحده، وإنما تسعى إلى تحويل المواقف السياسية إلى شبكة مصالح وشراكات تجعل العلاقة بالمغرب جزءاً من حسابات الدول الاستراتيجية. كلما أصبحت المملكة بوابة إلى إفريقيا، وأصبحت كولومبيا بوابة إلى أمريكا اللاتينية، تحولت قضية الصحراء من ملف دبلوماسي منفرد إلى عنصر داخل منظومة أوسع من العلاقات والمصالح.

ومن هذه الزاوية، تكتسب خطوة كولومبيا قيمة إضافية. فأمريكا اللاتينية كانت، تاريخياً، إحدى الساحات التي استطاع فيها خصوم المغرب بناء حضور سياسي ودبلوماسي لقضية الانفصال. ولذلك فإن انتقال دولة ذات وزن إقليمي مثل كولومبيا من الاعتراف بـ«الجمهورية الصحراوية» إلى الاعتراف بالسيادة المغربية لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع على صورة النزاع داخل هذه المنطقة. كما أن البرلمان الكولومبي كان قد عبّر قبل ذلك عن مواقف داعمة للوحدة الترابية للمغرب، في مؤشر على أن الموقف السياسي لم يكن موحداً تماماً حول خيار الاعتراف بالكيان الانفصالي.

وهنا تظهر نقطة أخرى لا تقل أهمية: القرار الكولومبي يكرس فكرة أن مواقف الدول ليست دائماً ثابتة إلى الأبد، وأن الدبلوماسية يمكن أن تعيد ترتيب الملفات عندما تتغير موازين المصالح والرؤى السياسية. وهو درس مهم للمغرب أيضاً؛ فالمكاسب الدبلوماسية لا تتحول إلى انتصار نهائي بمجرد صدور بيان، وإنما تحتاج إلى تثبيت سياسي واقتصادي ومؤسساتي يجعل التغيير مستداماً.

أما حضور بوريطة في كالي، بتمثيل من الملك محمد السادس في مراسم تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد، فيحمل بدوره رسالة تتجاوز البروتوكول. فالمغرب لم ينتظر صدور الموقف الجديد ثم يتعامل معه باعتباره نتيجة مكتملة، بل حضر إلى لحظة الانتقال السياسي نفسها، وكأنه يريد القول إن إعادة بناء العلاقة تبدأ من اليوم الأول للمرحلة الجديدة. وقد أكد بوريطة أن هذا الحضور يعكس إرادة المملكة في مواكبة الدينامية الجديدة والارتقاء بالعلاقات إلى مستوى أعلى.

ومن منظور أوسع، تأتي الخطوة الكولومبية في سياق دولي تحرك خلال السنوات الأخيرة باتجاه تعزيز موقع الطرح المغربي، مع اتساع عدد الدول التي تعتبر مبادرة الحكم الذاتي أساساً جدياً وواقعياً للتسوية. لكن من المهم عدم الخلط بين هذا المسار وبين القول إن النزاع حُسم قانونياً على المستوى الدولي؛ فملف الصحراء ما يزال مطروحاً داخل منظومة الأمم المتحدة، وتظل التسوية النهائية موضوعاً للمفاوضات والمسار الأممي. قوة الموقف المغربي هنا تكمن في اتساع الدعم السياسي لمقترح الحكم الذاتي، لا في الادعاء بأن المسار الدولي انتهى.

ولذلك فإن القراءة الأكثر هدوءاً للحدث لا تبحث فقط عن «من ربح ومن خسر»، بل تسأل: ما الذي جعل دولة كانت تتبنى موقفاً مختلفاً تعيد حساباتها؟ الجواب لا يوجد في البيان الكولومبي وحده، وإنما في تداخل ثلاثة عناصر: تغير سياسي داخلي في كولومبيا، صعود الاعتبارات الاستراتيجية في علاقتها بالمغرب، وتراكم دبلوماسي مغربي جعل كلفة الابتعاد عن الرباط أكبر وفائدة التقارب معها أكثر وضوحاً.

وفي العمق، فإن ما جرى يؤكد أن قضية الصحراء دخلت مرحلة لا تكفي فيها الدبلوماسية التقليدية وحدها. المعركة لم تعد فقط حول البيانات والمواقف داخل المنظمات الدولية، بل حول بناء علاقات طويلة المدى، وخلق مصالح مشتركة، وترسيخ صورة المغرب باعتباره شريكاً قارياً ودولياً قادراً على وصل إفريقيا بأوروبا وأمريكا اللاتينية.

ومن هنا تأتي أهمية أن يُقرأ القرار الكولومبي بعيداً عن الانفعال. فالمصلحة الوطنية المغربية لا تكمن في تحويل كل اعتراف إلى لحظة احتفال عابرة، وإنما في تحويل هذه التحولات إلى تراكم استراتيجي يخدم الوحدة الترابية ويقوي موقع المغرب داخل محيطه الإفريقي والدولي. الاعتراف مهم، لكنه يصبح أكثر أهمية عندما يتحول إلى شراكة، والشراكة تصبح أكثر رسوخاً عندما تقوم على المصالح المتبادلة، والمصالح هي التي تمنح المواقف السياسية قدرتها على الاستمرار.

في النهاية، لم تغيّر كولومبيا فقط موقفها من قضية الصحراء؛ إنها غيّرت موقعها من هذه القضية داخل علاقاتها مع المغرب. وهذا هو البعد الذي يستحق التوقف عنده. فحين تنسحب دولة من الاعتراف بكيان انفصالي وتعلن في المقابل اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه، فإن الرسالة لا تتعلق بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضاً: بوغوتا تعيد رسم علاقتها بالرباط، والرباط أمام فرصة لتحويل هذا التحول إلى جسر جديد بين المغرب وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

والرهان المغربي، في هذه المرحلة، لم يعد فقط أن تتغير مواقف الدول، وإنما أن يصبح تغييرها جزءاً من مسار متراكم يجعل الوحدة الوطنية والترابية للمملكة حقيقة سياسية راسخة في علاقاتها الدولية، لا مجرد عنوان يتجدد مع كل بيان دبلوماسي.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img