ذات صلة

أحدث المقالات

كولومبيا تغيّر البوصلة… وتعترف بسيادة المغرب على الصحراء

لم يكن إعلان كولومبيا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على...

«عايشة» في عمّان.. حين تصبح السينما مرآة للوجع الذي لا يُقال

في جبل القلعة الأثري، حيث تتجاور طبقات التاريخ في...

«عايشة» في عمّان.. حين تصبح السينما مرآة للوجع الذي لا يُقال

في جبل القلعة الأثري، حيث تتجاور طبقات التاريخ في مكان واحد، أسدل مهرجان عمّان السينمائي الدولي ــ أول فيلم ــ الستار على دورته السابعة. لكن بين عشرات الأفلام القادمة من تجارب وبلدان مختلفة، لم يكن حضور المغرب في ليلة الاختتام مجرد مشاركة عابرة في مسابقة عربية، بل كان يحمل اسماً واحداً فرض نفسه بهدوء: «عايشة» لسناء العلوي، الذي نال جائزة لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام القصيرة العربية.

الجائزة، في حد ذاتها، خبر يستحق الاحتفاء. لكن قيمة اللحظة لا تتوقف عند منصة التتويج.

لأن السؤال الأهم ليس: لماذا فاز «عايشة»؟

بل: ماذا رأت لجنة التحكيم في فيلم قصير استطاع أن يعبر من قصة شديدة الخصوصية إلى مساحة إنسانية أوسع؟

هنا تحديداً تبدأ القراءة الأخرى للفيلم.

فالدورة السابعة من مهرجان عمّان حملت شعار «ما وراء الإطار»، وهو شعار يبدو، في حالة «عايشة»، وكأنه يلتقي مع جوهر الفيلم أكثر مما يلتقي معه بالصدفة. فالمهرجان أعلن صراحة أنه يريد الاحتفاء بأفلام تتجاوز حدود الشاشة، وتفتح أسئلة تستمر بعد انتهاء العرض، وأن يبحث عن تجارب سينمائية تقترب من نبض الناس وهمومهم وأحلامهم. وقد ضمت الدورة 82 فيلماً من 27 دولة، ضمن برنامج دولي وعربي واسع.

ولذلك فإن وضع «عايشة» داخل هذا السياق يكشف شيئاً مهماً: الفيلم لم يفز لأنه يروي مأساة فحسب، بل لأنه يحاول أن يجعل من المأساة لغة سينمائية.

من الحكاية إلى الجرح

في ظاهر الحكاية، نحن أمام فتاة في السابعة عشرة، وأم تبدو بعيدة عنها عاطفياً، ثم تقع مأساة تقلب العلاقة والحياة معاً، قبل أن تجد الأم نفسها في مواجهة الحزن والفقد من خلال طقس صوفي. هذه هي البنية الأساسية التي يقدمها الفيلم، وهي بنية تبدو بسيطة في كلمات قليلة، لكنها تحمل داخلها طبقات متعددة من الألم والذاكرة والذنب والانفصال.

لكن سناء العلوي لا تتعامل مع هذه العناصر باعتبارها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً للتفسير.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوة «عايشة».

فالفيلم لا يقول للمشاهد ماذا ينبغي أن يشعر، ولا يحوّل الألم إلى خطاب مباشر، ولا يضع أمامه إجابات أخلاقية مكتملة. إنه يترك مساحة للصمت، وللصورة، وللإيحاء، ولما يحدث خارج الكلام.

وهذه ليست مسألة تقنية فقط.

إنها اختيار في الرؤية.

فحين تختار المخرجة أن تجعل العلاقة بين الأم والابنة محكومة بمسافة عاطفية، فهي لا تتحدث عن فقد يحدث بعد المأساة فقط، وإنما عن فقد قد يكون قد بدأ قبلها.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

هل نحن نحزن دائماً على من فقدنا، أم نحزن أحياناً على ما لم نستطع أن نعيشه معهم قبل أن نفقدهم؟

«عايشة» يترك هذا السؤال مفتوحاً.

المرأة ليست موضوعاً في الفيلم.. بل مركز التجربة

ثمة جانب آخر يستحق التوقف عنده.

الفيلم يضع تجربة المرأة في قلبه، لكن من دون أن يحولها إلى شعار.

الابنة ليست مجرد ضحية، والأم ليست مجرد شخصية مذنبة، والطقس الصوفي ليس مجرد خلفية فولكلورية. كل عنصر من هذه العناصر يتحرك داخل منظومة من المشاعر المتناقضة، حيث الحب يمكن أن يتجاور مع القسوة، والصمت مع الرغبة في الاعتراف، والذنب مع محاولة الخلاص.

وهنا يصبح الفيلم أكثر ذكاءً من مجرد حكاية عن أم وابنتها.

إنه يقترب من منطقة شديدة الحساسية في التجربة الإنسانية: العلاقات التي لا تنكسر دفعة واحدة، وإنما تتآكل بالصمت.

وهذا ما يجعل المأساة في «عايشة» ليست فقط حادثاً يقع، وإنما نتيجة شعورية لمسار طويل من المسافات التي لم تجد طريقها إلى الكلام.

حين يدخل التراث إلى الصورة دون أن يتحول إلى زينة

اللافت أيضاً أن الفيلم يستدعي الطقس الروحي والمخيال الشعبي، لكنه لا يستخدمهما كديكور ثقافي لإثبات «محلية» العمل.

وهذه نقطة مهمة في السينما المغربية الجديدة.

فاستحضار الموروث لا تكون قيمته في أن نرى الطقوس والعناصر الشعبية على الشاشة، وإنما في الطريقة التي تتحول بها هذه العناصر إلى جزء من البنية النفسية للشخصيات.

في «عايشة»، الطقس ليس مجرد مشهد.

إنه محاولة للعثور على معنى عندما يعجز الواقع عن تقديم معنى.

وهنا تلتقي الروحانيات بالسينما، لا بوصفهما مجالين منفصلين، وإنما باعتبارهما طريقتين لمواجهة الفقد.

ومن هذه الزاوية، يصبح حضور الثقافة المغربية في الفيلم أكثر عمقاً من صورة فولكلورية جميلة.

إنها ثقافة تُستعمل لفهم الألم.

لماذا جائزة لجنة التحكيم مهمة؟

قد تبدو جائزة لجنة التحكيم أقل صخباً من الجائزة الكبرى.

لكنها في بعض الحالات تكون أكثر دلالة.

لأن الجائزة الكبرى قد ترتبط بانطباع شامل عن العمل، بينما جائزة لجنة التحكيم تقول، بصورة أو بأخرى، إن مجموعة من السينمائيين والنقاد الذين شاهدوا الأعمال المتنافسة وجدت في هذا الفيلم قيمة فنية أو فكرية تستحق التوقف عندها.

وفي حالة «عايشة»، تأتي الجائزة بعد سلسلة من المحطات التي بدأ فيها الفيلم يلفت الانتباه خارج المغرب أيضاً.

فالفيلم، الذي أنجز سنة 2025، سبق أن حصد جوائز وتنويهات في محطات سينمائية أخرى؛ من بينها الجائزة الفضية في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، كما حصل في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة على جائزة لجنة التحكيم في مسابقة الأفلام القصيرة.

وهنا تتحول الجائزة الجديدة في عمّان من واقعة منفردة إلى مسار.

والمسار أهم من الجائزة.

لأن الجائزة يمكن أن تكون لحظة.

أما تكرار الحضور في مهرجانات مختلفة، وبأنماط تحكيم مختلفة، فيعني أن الفيلم بدأ يبني لنفسه حياة تتجاوز مكان إنتاجه الأول.

من طنجة إلى الأقصر ثم عمّان.. الفيلم الذي يعبر الحدود دون أن يفقد هويته

ثمة دلالة أخرى في هذا المسار.

«عايشة» لا يبدو أنه يحاول أن يصبح «عالمياً» عبر التخلي عن خصوصيته المغربية.

العكس هو الذي يحدث.

كلما انتقل الفيلم إلى فضاء جديد، حمل معه موضوعاً محلياً شديد الخصوصية، لكنه يفتح منه باباً إلى تجربة إنسانية يمكن أن يفهمها مشاهد في طنجة كما يمكن أن يفهمها مشاهد في عمّان أو القاهرة أو أي مكان آخر.

وهذه واحدة من أصعب معادلات السينما:

كيف تكون محلياً من دون أن تصبح منغلقاً، وكيف تكون إنسانياً من دون أن تفقد جذورك؟

ربما هنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القوة التي جعلت «عايشة» يجد طريقه إلى لجان تحكيم مختلفة.

فالفقد ليس مغربياً.

والعلاقة المضطربة بين الأم والابنة ليست مغربية.

والندم ليس مغربياً.

لكن الطريقة التي يتم بها التعبير عن هذه المشاعر، والفضاء الذي تحتضنها فيه الصورة، واللغة الروحية والثقافية التي تمر عبرها، هي التي تجعل التجربة مغربية.

سناء العلوي.. المخرجة التي بدأت من السؤال لا من الاستعراض

والأهم في هذه التجربة أن صاحبتها لا تبدو منشغلة بإثبات أنها قادرة على صناعة فيلم كبير لأنها مخرجة شابة.

«عايشة» نفسه هو الذي يقوم بهذه المهمة.

سناء العلوي، التي درست السينما واللغة البصرية، واشتغلت أكاديمياً على تطور السينما المغربية وعلى تقنيات التعبير السينمائي، تدخل عالم الفيلم الروائي القصير وهي تحمل معها حساً واضحاً بالاشتغال على الصورة والذاكرة واللقطة.

وهذا يفسر ربما لماذا لا تبدو التجربة مجرد تمرين أول لمخرجة تبحث عن أسلوبها.

هناك محاولة مبكرة لبناء عالم بصري خاص.

والأهم أن هذا العالم لا يعتمد على كثرة الكلام.

إنه يراهن على ما يمكن أن تقوله الصورة عندما يعجز الحوار عن قوله.

ما وراء الجائزة.. جيل جديد يكتب سينماه بنفسه

لكن الاحتفاء بـ«عايشة» يجب ألا يتوقف عند سناء العلوي وحدها.

فما يحدث حول الفيلم يكشف شيئاً أوسع يتعلق بجيل جديد من السينمائيين المغاربة.

جيل لا ينتظر بالضرورة أن تأتيه الحكاية من المؤسسات الكبرى، ولا يشتغل فقط داخل القوالب التي اعتادها الإنتاج التقليدي.

هذا الجيل يبحث عن موضوعاته في المناطق الحساسة، ويجرب لغة مختلفة، ويأخذ أفلامه إلى المهرجانات، ثم يترك للجمهور ولجان التحكيم مهمة اكتشافها.

وهنا تصبح المهرجانات أكثر من فضاء للجوائز.

إنها مختبر لاختبار قدرة السينما المغربية على أن تتحول من إنتاج الأفلام إلى صناعة خطاب سينمائي خاص بها.

والفرق كبير.

إنتاج فيلم جيد يمكن أن يكون إنجازاً.

لكن بناء لغة متراكمة لمجموعة من المخرجين الشباب هو الذي يصنع مستقبلاً سينمائياً.

«ما وراء الإطار».. ربما كان عنوان الدورة يشرح «عايشة» أكثر مما نعتقد

من المفارقات الجميلة أن شعار الدورة السابعة كان «ما وراء الإطار».

فـ«عايشة» في جوهره فيلم عن أشياء لا تظهر كاملة داخل الإطار.

هناك ما لم تقله الأم.

وهناك ما لم تستطع الابنة قوله.

وهناك ماضٍ يظل حاضراً حتى بعد الغياب.

وهناك حزن لا يجد شكله إلا من خلال الطقس.

وهناك ذاكرة لا يمكن للكاميرا أن تمسك بها مباشرة، لكنها تستطيع أن تجعلنا نشعر بوجودها.

وهنا تتحول السينما من تسجيل للحياة إلى بحث عما تختبئ خلفه الحياة.

وهذا، في النهاية، هو معنى السينما عندما تكون أكثر من مجرد صورة متحركة.

الجائزة ليست نهاية الطريق

الاحتفاء بفوز «عايشة» في عمّان ضروري، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال عابر بجائزة جديدة تضاف إلى القائمة.

لأن القيمة الحقيقية لهذا التتويج تكمن في الرسالة التي يحملها.

رسالة إلى المخرجة بأن تجربتها تجد صدى خارج حدودها.

ورسالة إلى السينما المغربية بأن الأفلام القصيرة ليست مجرد مرحلة انتقالية نحو الفيلم الطويل، بل يمكن أن تكون فضاءً مكتملًا للتجريب والتعبير.

ورسالة إلى المهرجانات العربية بأن السينما المغربية الشابة تملك ما تقوله، ليس فقط من خلال الأفلام الكبرى والأسماء المعروفة، وإنما أيضاً من خلال أصوات جديدة تأتي من الهامش لتضع أسئلتها في قلب المشهد.

وربما الأهم أنها رسالة إلى المشاهد نفسه:

أن الفيلم الذي لا يصرخ قد يكون أكثر قدرة على إيلامنا.

وأن الحكاية التي تستغرق خمساً وعشرين دقيقة يمكن أن تترك وراءها سؤالاً يستمر ساعات، وربما أياماً.

من جبل القلعة إلى المغرب.. جائزة لعمل قصير، لكنها ليست صغيرة

في نهاية المطاف، لم تكن «عايشة» في عمّان مجرد واحدة من الأفلام التي مرت على شاشة مهرجان دولي.

لقد دخل الفيلم المنافسة العربية القصيرة وسط تجارب متعددة، ثم خرج منها بجائزة لجنة التحكيم، في دورة ضمت 82 فيلماً من 27 دولة، ووضعت السينما الجديدة في قلب مشروعها.

لكن الأهم أن الفيلم لم يحتج إلى أن يرفع صوته حتى يسمع.

لقد فعل شيئاً أكثر صعوبة:

حوّل الصمت إلى لغة.

وهذه ربما هي المفارقة التي تجعل «عايشة» أكثر من فيلم قصير.

فهو فيلم عن فتاة غابت، وأم بقيت أمام الغياب، وعن علاقة لم تجد وقتها الكافي لتقول كل ما كان يجب أن يقال.

أما سناء العلوي، فقد وجدت للوجع إطاراً.

ثم تركت لنا، كما يريد مهرجان عمّان في شعاره، أن نبحث عما يوجد خارج الإطار.

وهناك، تحديداً، تبدأ الحكاية الحقيقية.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img