ذات صلة

أحدث المقالات

الرباط وموسكو تُسرّعان التعاون الجمركي: خارطة طريق بأفق 2027

عقدت إدارة الجمارك المغربية ونظيرتها الروسية، يوم الثلاثاء 15...

اليمن أمام معركة باب المندب: هل تستطيع القوات الحكومية عكس التقدم الحوثي؟

تشهد الساحة اليمنية واحدة من أكثر مراحل الحرب حساسية...

سبتة تحت طوق أمني جديد: انتخابات المغرب ترفع حساسية الحدود ودعوات الاقتحام تعيد اختبار التعاون المغربي الإسباني

منذ نهاية الأسبوع، بدأت المنطقة المحاذية لمدينة سبتة المحتلة تستعيد ملامح يعرفها سكان الفنيدق والمنطقة الحدودية جيداً: انتشار أمني كثيف، مراقبة مشددة للمسالك المؤدية إلى الشريط الحدودي، وتعزيزات ميدانية لا تترك كثيراً من المساحة أمام تجمع مفاجئ يمكن أن يتحول إلى محاولة عبور جماعي.

اللافت هذه المرة أن موعد التحرك المتداول على شبكات التواصل الاجتماعي حُدد في 23 شتنبر، أي في اليوم نفسه الذي يتوجه فيه المغاربة إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية.

المعطى الذي تتعامل معه الأجهزة الأمنية ليس إعلاناً رسمياً عن وجود محاولة اقتحام مؤكدة، وإنما دعوات ورسائل متداولة تدفع باتجاه استغلال يوم الانتخابات باعتباره لحظة قد تكون فيها السلطات منشغلة بالاستحقاق الانتخابي. وقد رصدت وسائل إعلام إسبانية هذه الدعوات منذ أسابيع، فيما أشارت تقارير إلى تداولها داخل مجموعات على تطبيقات التواصل، من دون أن يعني ذلك وجود دليل على قدرة أصحابها على تنفيذ ما يدعون إليه.

على الأرض، كانت الاستجابة مختلفة في حجمها عن مجرد مراقبة عادية للحدود.

تقارير محلية تحدثت عن وحدات إضافية وعشرات العربات الأمنية وشاحنات مجهزة بخراطيم مياه ذات ضغط مرتفع، إلى جانب وسائل لوجستية أخرى. ونقلت وسائل إعلام إسبانية عن مصادرها معطيات أكثر تفصيلاً حول حجم الانتشار، فيما تحدثت مصادر محلية عن وجود آلاف العناصر في المنطقة، لكن هذه الأرقام لا تبدو متطابقة بين المصادر، ولذلك يصعب التعامل معها كرقم رسمي نهائي.

ما هو أوضح من عدد العناصر هو طبيعة الرسالة الميدانية: السلطات المغربية لا تنتظر وصول تجمعات كبيرة حتى تبدأ في التحرك، بل تتعامل مع احتمال أن يؤدي انتشار دعوة واحدة على نطاق واسع إلى انتقال أعداد من الأشخاص إلى الفنيدق ثم محاولة العبور من البر أو البحر.

هذه الطريقة في التعامل مع الحدود اكتسبت أهمية أكبر بعد ما وقع في نهاية يوليوز.

في 30 و31 يوليوز، شهدت سبتة موجة عبور جماعي استثنائية، وتحدثت السلطات الإسبانية في مراحل مختلفة عن أعداد تراوحت بين 50 ألفاً و60 ألف شخص، فيما وردت تقديرات أخرى أعلى أو أقل بحسب طريقة احتساب محاولات العبور ومن دخل المدينة فعلياً. وقالت وزارة الداخلية الإسبانية في ذلك الوقت إن قوات الأمن المغربية أحبطت آلاف محاولات الهجرة، وأكدت مدريد وجود تعاون مع الرباط في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية.

ولم تنته آثار تلك الموجة بانحسارها السريع.

حتى منتصف شتنبر، كانت السلطات الإسبانية لا تزال تتعامل مع آلاف الأشخاص الذين بقوا في سبتة، وتعمل على تحديد أوضاعهم وترتيب عمليات العودة أو الإبعاد بحسب الحالات القانونية. وفي 17 شتنبر، طلب وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا من الاتحاد الأوروبي تسريع الإجراءات المرتبطة بالعودة والحماية الدولية في حالات الأزمات والهجرة الجماعية.

وفي الأيام السابقة للموعد الجديد المتداول، تحولت المسألة مرة أخرى من أزمة ميدانية إلى قضية أمنية ذات امتداد رقمي.

وزارة الداخلية المغربية كانت قد أعلنت منذ غشت أن منشورات مجهولة المصدر تحرض على محاولات عبور جماعية نحو سبتة ومليلية، وقالت إن السلطات تراقب هذه الدعوات وإنها أوقفت أشخاصاً يشتبه في تورطهم في التحريض عليها. كما شددت الوزارة على أن الجاهزية الأمنية لا ترتبط بتاريخ واحد، وإنما تدخل ضمن مراقبة مستمرة للمناطق الحدودية.

الجانب الإسباني بدوره لم يتعامل مع الدعوات باعتبارها مجرد ضجيج على شبكات التواصل. وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أعلن أن مدريد تعمل مع المغرب لمنع محاولة عبور جماعية جديدة، فيما كانت السفارة الإسبانية في الرباط قد حذرت من الرسائل التي تقدم يوم الانتخابات باعتباره فرصة للعبور بسبب انشغال السلطات المغربية بالاقتراع. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير إسبانية إلى عدم وجود دليل على أن الانتخابات ستؤدي فعلاً إلى إضعاف حماية الحدود المغربية.

هذه النقطة مهمة لأن ما يجري لا يتعلق بالحدود وحدها.

فالانتخابات المغربية تدخل هذه المرة في حسابات خطاب الهجرة المتداول على الشبكات الاجتماعية، لا باعتبارها سبباً للأزمة، وإنما باعتبارها التاريخ الذي يحاول أصحاب الدعوات استخدامه لبناء رواية تقول إن اهتمام الدولة سيتحول مؤقتاً من الحدود إلى مراكز الاقتراع.

المعطيات المتاحة لا تثبت أن هذا السيناريو سيحدث، ولا تثبت أن الجهات التي تنشر الدعوات تمتلك تنظيماً قادراً على تحويلها إلى تحرك جماعي. لكن حجم الإجراءات الأمنية على الأرض يوضح أن السلطات لا تتعامل مع انتشار هذه الرسائل باستخفاف، خصوصاً بعد التجربة التي أظهرت كيف يمكن لمعلومة مضللة أو إشاعة رقمية أن تدفع آلاف الأشخاص إلى التحرك خلال وقت قصير.

ما حدث في يوليوز قدم المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. فقد وثقت تقارير دولية انتشار منشورات تزعم فتح الحدود، إلى جانب مقاطع تحدد مسارات السباحة ومواقع وجود الدوريات، وهو ما ساهم في دفع أعداد كبيرة من الشباب نحو سبتة. كما ظل من غير الواضح بشكل كامل من يقف خلف عدد من الحسابات التي نشرت تلك الادعاءات، وبعضها اختفى بعد الأحداث.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه درجة التأهب على الجانب المغربي، تستمر إسبانيا نفسها في إعادة ترتيب منظومتها للتعامل مع آثار الأزمة.

الحكومة الإسبانية عززت وجودها الأمني في سبتة، واستعانت بموارد إضافية، وبدأت ترتيبات لاستقبال ومعالجة أوضاع الوافدين، كما تحركت على المستوى الأوروبي للحصول على دعم مالي وأمني. وأعلن ألباريس في شتنبر عن تحركات داخل المؤسسات الأوروبية لتعزيز موقع سبتة ومليلية داخل المنظومة الأوروبية، بما في ذلك تعزيز حضور فرونتكس والسعي إلى ترتيبات أوروبية خاصة بالمدينتين.

وفي الوقت نفسه، لم يتوقف التنسيق مع المغرب.

وزارة الداخلية الإسبانية أعلنت منذ الأيام الأولى للأزمة أن التعاون مع السلطات المغربية مستمر، وأن الرباط ساهمت في منع آلاف محاولات العبور. وأكد ألباريس لاحقاً أن عودة من دخلوا سبتة بشكل غير نظامي تتم بالتعاون مع المغرب، بينما جعلت مدريد من مكافحة التضليل الرقمي وتعزيز الحدود جزءاً من استجابتها للأزمة.

هذا التعاون لا يلغي الخلافات السياسية المرتبطة بسبتة ولا النقاش الإسباني الداخلي حول الهجرة. لكنه يضع الاتهامات التي ظهرت بعد أحداث يوليوز في مساحة تحتاج إلى تمييز أكبر بين ما هو مثبت وما هو سياسي.

فالقول إن المغرب يقف وراء موجات العبور أو يديرها يحتاج إلى أدلة، وليس إلى مجرد تزامن بين حدث حدودي وتطور سياسي. أما وجود تعاون أمني مغربي إسباني فعلي في مجال منع الهجرة غير النظامية وإدارة تداعياتها، فهو موثق بتصريحات رسمية من الطرفين.

الاختبار الجديد يبدأ قبل 23 شتنبر، وليس في صباح يوم الاقتراع فقط. فإذا بقيت الدعوات مجرد رسائل تنتشر ثم تخفت، فسيكون حجم الاستنفار الحالي جزءاً من سياسة احترازية فرضتها تجربة يوليوز. وإذا تحولت الدعوات إلى تحركات على الأرض، فستدخل الحدود مرة أخرى في منطقة أكثر تعقيداً، حيث تختلط الهجرة غير النظامية بالتضليل الرقمي، وتصبح قدرة الأجهزة على منع التجمع قبل تشكله أهم من التعامل معه بعد وصوله إلى السياج أو البحر.

حتى الآن، المؤكد هو ارتفاع الجاهزية المغربية، واستمرار التنسيق مع إسبانيا، ووجود دعوات متداولة تستهدف يوم الانتخابات. أما من يقف وراء هذه الدعوات، ومدى قدرته على تنفيذها، وما إذا كانت ستتحول فعلاً إلى محاولة جماعية، فلا تزال معطياته الكاملة غير متاحة.

والحدود، في مثل هذه الحالات، لا تنتظر اكتمال الصورة حتى تبدأ في الاستعداد.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img