ذات صلة

أحدث المقالات

حين تصبح أزمة سبتة المحتلة ملفاً إسبانياً داخل الميناء: المحكمة تسمح باستمرار مخيم المهاجرين

لم يستمر تعليق مخيم المهاجرين في ميناء سبتة المحتلة سوى ساعات.

بعدما أوقفت المحكمة الوطنية الإسبانية، الأربعاء، بشكل مؤقت أشغال إقامة المخيم وطلبت من وزارة النقل الإسبانية تقديم الملف الذي استندت إليه في تخصيص جزء من الميناء، عادت المحكمة نفسها، الخميس 17 شتنبر، ورفضت طلب النقابة الموحدة للشرطة تعليق المشروع بشكل استعجالي. وبذلك أصبح بإمكان الحكومة الإسبانية مواصلة إقامة المخيم في منطقة توسيع ميناء بونينتي، على مساحة تقارب 16 ألف متر مربع، لاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين الذين ما زالوا في سبتة منذ موجة الدخول الجماعي يومي 30 و31 يوليوز.

القرار القضائي لا يقول إن كل الاعتراضات المتعلقة بالمخيم غير صحيحة، وهذه نقطة أساسية في قراءة ما جرى. المحكمة لم تدخل في أصل النزاع المتعلق بكل شروط الأمن والسلامة، وإنما اعتبرت أن طلب التوقيف الفوري لم يعد مبرراً بعد الاطلاع على الوثائق التي قدمتها وزارة النقل.

النقابة الموحدة للشرطة كانت قد اعترضت على المشروع انطلاقاً من مخاوف تتعلق بأمن الميناء وبظروف عمل عناصر الشرطة المكلفين بالموقع. وتحدثت عن غياب ما يثبت، قبل تشغيل المخيم، استيفاء شروط مرتبطة بحماية الميناء والطوارئ والحرائق والحماية المدنية والوقاية من مخاطر العمل، إضافة إلى قرب المنطقة من منشآت مرتبطة بالوقود والطاقة وخدمات أساسية أخرى.

المحكمة لم تتجاهل هذه الاعتراضات، لكنها وضعتها في مكانها الإداري والقانوني. فالقرار الذي أصدرته وزارة النقل، كما أوضحت المحكمة، يقتصر على الترخيص المؤقت باستعمال نحو 16 ألف متر مربع من الأراضي المينائية لإقامة منشأة استقبال مؤقتة. أما الشروط التفصيلية المتعلقة بكيفية تقديم المساعدة الإنسانية وبظروف عمل الشرطة، فليست محددة في ذلك الترخيص نفسه، وهي مسائل يفترض أن تُعالج عبر الإجراءات والتدابير التي ستتخذها وزارة الداخلية والجهات المختصة.

حتى داخل الإدارة الإسبانية لم تكن المسألة خالية من التحفظات. فقد كانت سلطة ميناء سبتة قد عارضت في 4 شتنبر استعمال الموقع، معتبرة أن الاحتلال المؤقت للأرض لا ينسجم مع الاستغلال العادي للميناء. في المقابل، أعطت مؤسسة الموانئ التابعة للدولة الإسبانية رأياً مؤيداً، مستندة إلى وجود أسباب تتعلق بالمصلحة العامة، مع اشتراط اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان أمن الميناء وحمايته واستمرار نشاطه الطبيعي.

هذه التفاصيل تجعل القرار القضائي أكثر تعقيداً من الصيغة المختصرة التي قد توحي بأن المحكمة «سمحت ببساطة» بالمخيم. ما سمحت به فعلياً هو استمرار تنفيذ قرار إداري مؤقت، بعدما رأت أن الاعتراضات المقدمة لا تبرر في هذه المرحلة اتخاذ إجراء قضائي استثنائي بوقفه. أما الشروط الأمنية والتدابير التي سيعمل وفقها المخيم، فتظل جزءاً من مسؤولية السلطات الإسبانية المختصة.

والنتيجة العملية واضحة: الميناء، وهو جزء من البنية التحتية الحساسة في سبتة، يتحول إلى موقع لاستيعاب أزمة مهاجرين نشأت داخل المدينة نفسها.

المخيم الذي يجري إعداده على مساحة تقارب 16 ألف متر مربع مخصص لاستقبال ما يقارب 1700 شخص، وفق أحدث المعطيات الحكومية والإعلامية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن نحو 1800 شخص لا يزالون في مواقع الإيواء المؤقتة. وكانت التغطيات الأولى للمشروع قد تحدثت عن قدرة تقارب ألف شخص، قبل أن تتضح بصورة أكبر أعداد المستفيدين المستهدفين من المنشأة.

الحكومة الإسبانية تعتبر أن الموقع هو الأنسب لمعالجة وضع أصبح مستمراً منذ أسابيع، خصوصاً مع بقاء مهاجرين في ظروف مؤقتة داخل المدينة. وقد رحبت بسرعة القرار القضائي، وأكدت أن الأراضي المينائية تتوفر، بحسب موقفها، على الضمانات الضرورية لتنفيذ العملية.

لكن المسألة التي تستحق الانتباه في هذه التطورات تتجاوز المخيم نفسه.

خلال الأسابيع الماضية، جرى التعامل مع موجة الدخول إلى سبتة في جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي الإسباني باعتبارها أزمة مرتبطة بالحدود المغربية وبالتعاون مع المغرب وبالقدرة على ضبط حركة المهاجرين. أما القرار الذي صدر اليوم فيتعامل مع جانب آخر من القضية: ماذا تفعل إسبانيا بالمهاجرين الموجودين فعلاً داخل سبتة المحتلة؟

الإجابة التي تظهر من الملف القضائي والإداري هي أن تدبير هذا الجزء من الأزمة يتم داخل المؤسسات الإسبانية نفسها: وزارة النقل تخصص الأرض، سلطات الميناء تعترض، مؤسسة الموانئ الحكومية تؤيد بشروط، وزارة الداخلية مطالبة بتأمين الموقع، الشرطة تطعن، والمحكمة الوطنية تراجع الملف ثم تسمح باستمرار التنفيذ.

لا يحتاج هذا التسلسل إلى تحميل المغرب مسؤولية ما لا تثبته الوثائق.

وجود أزمة هجرة في سبتة لا يلغي واقع الحدود المغربية الإسبانية، ولا ينفي الحاجة إلى التعاون بين البلدين في ملفات الهجرة والأمن، لكنه لا يحول كل إجراء تتخذه السلطات الإسبانية داخل المدينة إلى امتداد مباشر لقرار مغربي. وفي هذه الحالة تحديداً، الوثائق التي درستها المحكمة تتعلق باستعمال أرض مينائية إسبانية، وبالتنسيق بين أجهزة ومؤسسات إسبانية، وبكيفية استقبال أشخاص موجودين بالفعل داخل سبتة.

والأهم أن المحكمة لم تمنح المشروع حصانة من المراجعة. لقد رفضت الإجراء الاستعجالي الذي كان يهدف إلى إيقافه، بينما بقي أصل النزاع القضائي قائماً. كما أنها شددت على أن توفير شروط السلامة والأمن للشرطة والمهاجرين والعاملين في الموقع يقع على عاتق السلطات المختصة، لا على القرار الإداري وحده.

بهذا المعنى، فإن ملف المخيم يعيد الأزمة إلى مستوى أكثر واقعية: هناك مهاجرون موجودون في سبتة ويحتاجون إلى إيواء، وهناك ميناء إسباني يجري تخصيص جزء منه لهذا الغرض، وهناك اعتراضات أمنية وإدارية لم تختفِ بمجرد صدور قرار الخميس.

أما اختزال كل ذلك في سردية جاهزة تجعل المغرب هو عنوان الأزمة، فلا تؤيده تفاصيل القرار نفسه. ما تكشفه الوثائق المنشورة هو أن جزءاً كبيراً من الأزمة، في مرحلتها الحالية، أصبح مسألة تدبير إسباني داخلي، تخضع لقرارات الإدارة والشرطة والميناء والقضاء الإسباني.

وهذا لا ينهي ملف الهجرة ولا يحسم الخلافات المحيطة بأحداث يوليوز، لكنه يغير زاوية النظر إلى ما يجري الآن داخل سبتة: السؤال لم يعد فقط عن كيفية وصول المهاجرين، وإنما أيضاً عن كيفية إدارة وجودهم بعد وصولهم، ومن يتحمل مسؤولية المكان الذي سيؤويهم، ومن يضع شروط أمنه، ومن يراقب قانونية هذه القرارات.

في قرار اليوم، كانت الإجابة مؤقتاً داخل المؤسسات الإسبانية نفسها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img