ذات صلة

أحدث المقالات

إيلاريا ساليس داخل البرلمان الأوروبي: «سبتة ليست إسبانيا ولا أوروبا»

لم تحتج النائبة الإيطالية إيلاريا ساليس إلى عبارات ملتبسة...

المغرب يراكم قوة تُرعب خصومه بحكمة الملك.. ومدريد تتأخر عن أول «ريبر» مسلحة

المغرب بقيادته الراشدة وسياسته الملكية الحكيمة.. حين تتحول سنوات...

إيلاريا ساليس داخل البرلمان الأوروبي: «سبتة ليست إسبانيا ولا أوروبا»

لم تحتج النائبة الإيطالية إيلاريا ساليس إلى عبارات ملتبسة عندما تناولت وضع سبتة داخل البرلمان الأوروبي. قالتها مباشرة: «سبتة ليست إسبانيا»، ثم أتبعتها بعبارة أكثر اتساعاً في دلالتها: «سبتة ليست أوروبا». وأضافت أن المدينة، من الناحية الجغرافية، توجد في إفريقيا، وربطت وضعها التاريخي بما وصفته بأنه بقايا للاستعمار الأوروبي.

صدرت هذه المداخلة في 15 سبتمبر 2026، خلال نقاش في البرلمان الأوروبي حول التطورات المرتبطة بسبتة والهجرة والحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وساليس، وهي نائبة إيطالية عن مجموعة اليسار في البرلمان الأوروبي، لم تكتفِ بمناقشة طريقة تدبير الحدود أو ملف الهجرة، بل انتقلت إلى أصل السؤال الذي ظل حاضراً في الخلفية: كيف تُعرّف سبتة نفسها سياسياً وتاريخياً داخل أوروبا، وهي جغرافياً في شمال إفريقيا؟

اللافت في المداخلة ليس فقط استخدام الجغرافيا كحجة، وإنما الجمع بين الجغرافيا والتاريخ في قراءة واحدة. فقول ساليس إن سبتة توجد في إفريقيا لا يحمل المعنى نفسه الذي يحمله وصفها للمدينة بأنها «بقايا للاستعمار الأوروبي». العبارة الثانية تنقل النقاش من موقع المدينة على الخريطة إلى الطريقة التي تشكل بها وضعها السياسي والتاريخي.

وهذا تحديداً ما يجعل التصريح مختلفاً عن النقاش المعتاد حول سبتة. فمدريد تتمسك باعتبار المدينة جزءاً من التراب الإسباني، بينما يرفض المغرب هذا التصور ويعتبر سبتة ومليلية من بقايا الوجود الاستعماري في شمال المملكة. وقد ظهر هذا الخلاف داخل المؤسسات الأوروبية من قبل، خصوصاً عندما أكدت مواقف أوروبية رسمية صفة سبتة كجزء من إسبانيا والاتحاد الأوروبي، في مقابل الموقف المغربي الذي يضعها ضمن قضايا السيادة والوحدة الترابية للمملكة.

لكن مداخلة ساليس جاءت من داخل المؤسسة التي يرتبط اسمها مباشرة بالإطار الأوروبي الذي تستند إليه مدريد في التعامل مع المدينة. لذلك فإن اختيارها لعبارة «سبتة ليست أوروبا» لم يكن مجرد حديث عن موقع جغرافي. لقد وضعت أمام الجلسة نفسها فاصلاً بين الانتماء الجغرافي للقارة وبين الصفة السياسية والقانونية التي تُمنح للمدينة داخل المنظومة الأوروبية.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين الموقف الذي عبّرت عنه النائبة وبين الوضع القانوني والمؤسساتي القائم. تصريح ساليس لا يغيّر، بحد ذاته، وضع سبتة المعتمد لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي. لكنه يكشف أن داخل البرلمان الأوروبي نفسه توجد قراءة ترفض التعامل مع هذا الوضع باعتباره خارج النقاش، وتعيد فتح الباب أمام التاريخ والجغرافيا عندما يتعلق الأمر بمدينة تقع في القارة الإفريقية وتُدار سياسياً من دولة أوروبية.

ولم تكن الإشارة إلى الاستعمار عرضاً جانبياً في كلام النائبة. هي جاءت في صلب تفسيرها لوضع المدينة. وهذا يقترب من القراءة المغربية التي تنظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما امتداداً لبقايا الوجود الاستعماري في شمال المملكة، في وقت تنظر فيه مدريد إلى المسألة من زاوية السيادة الإسبانية القائمة.

المسافة بين القراءتين ظهرت هذه المرة داخل القاعة الأوروبية نفسها.

ففي النقاش الذي جرى حول سبتة، لم تكن المسألة محصورة في الهجرة أو حماية الحدود الخارجية للاتحاد. المداخلة الإيطالية دفعت النقاش إلى طبقة أقدم: تاريخ المدينة، موقعها الإفريقي، والطريقة التي أصبح بها وجود أوروبي في شمال إفريقيا جزءاً من ترتيبات سياسية مستمرة إلى اليوم.

ولا تحتاج ساليس إلى أن تمثل الموقف المغربي حتى تكون عبارتها ذات صلة مباشرة بالنقاش المغربي. يكفي أنها رفضت، من داخل البرلمان الأوروبي، اختزال المسألة في صيغة واحدة تعتبر سبتة إسبانية وأوروبية دون العودة إلى التاريخ والجغرافيا اللذين استندت إليهما في مداخلتها.

بهذا المعنى، جاءت العبارتان القصيرتان ــ «سبتة ليست إسبانيا» و«سبتة ليست أوروبا» ــ في مكان لا يمكن فصله عن المؤسسات والسياسات التي كانت المدينة تُناقش من خلالها. أما النقاش حول ما إذا كان هذا التصور سيبقى مجرد موقف لنائبة أوروبية أم سيجد أصواتاً أخرى تتبناه، فتلك مسألة أخرى لا تحسمها مداخلة واحدة.

لكن الواقعة نفسها أصبحت مسجلة: داخل البرلمان الأوروبي، وفي نقاش مخصص لسبتة، اختارت نائبة إيطالية أن تضع اسم إفريقيا والتاريخ الاستعماري في مواجهة التعريف الإسباني والأوروبي للمدينة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img