ذات صلة

أحدث المقالات

سبتة المحتلة.. حين يصبح الأطفال والشباب المغاربة هدفاً في الشارع: اعتداءات أمام صمت الرباط والمجتمع الدولي

في سبتة، لم يعد الخلاف يدور فقط حول أين ستنام أعداد المهاجرين التي بقيت في المدينة بعد موجة الدخول الجماعي في نهاية يوليوز. خلال اليومين الأخيرين، انتقل المشهد إلى مستوى أكثر خطورة: تجمعات تطالب بإخراج المهاجرين، مواجهات في الشوارع والشواطئ، تخريب وإحراق مساكن مؤقتة، ومنع قافلة للصليب الأحمر من الوصول لإيصال الطعام.

وفي هذا المناخ، بدأ مغاربة يعيشون في سبتة يتحدثون عن تعرضهم للاستهداف لمجرد الاشتباه في كونهم من المهاجرين الذين دخلوا خلال الأزمة الأخيرة.

المفارقة أن الأزمة التي بدأت كصدمة هجرة تحولت تدريجياً إلى أزمة ثقة وأمن وتعايش. ولم يعد السؤال فقط كيف ستتعامل السلطات الإسبانية مع آلاف الأشخاص الذين ما زالوا في المدينة، وإنما كيف تمنع أن تتحول الهجرة إلى ذريعة لتمييز جماعي يضع المغربي، أياً كانت وضعيته القانونية، داخل دائرة الشبهة.

خلال الخميس 27 غشت، تصاعدت المواجهات في محيط شاطئي بنيتز وترامبولين. دخل محتجون إلى أماكن توجد فيها مساكن مؤقتة للمهاجرين، وسُجل تخريب وإحراق بعض الأمتعة والمظلات، بينما حاول آخرون منع وصول مركبة للصليب الأحمر كانت تنقل مساعدات غذائية. وتدخلت الشرطة لمنع توسع الاحتكاك إلى مواجهة مباشرة مع المهاجرين.

وفي اليوم نفسه، تحدثت السلطات عن واقعة مختلفة في الاتجاه المعاكس: توقيف 12 مهاجراً مغربياً للاشتباه في مشاركتهم في رشق مركبة عسكرية بالحجارة في منطقة بنزو، بعدما أحاطت بها مجموعة من 30 إلى 40 شخصاً وأصيب أربعة عسكريين.

هذه الوقائع المتزامنة تقول شيئاً مهماً: سبتة دخلت منطقة يصعب فيها فصل أزمة الهجرة عن أزمة الأمن، كما يصعب فيها فصل الأمن عن خطاب الغضب الشعبي.

من الاحتجاج على الإيواء إلى «طرد المهاجرين»

خلال الأربعاء، خرجت احتجاجات كبيرة في المدينة، ورفعت شعارات مثل «سبتة لا تُباع، سبتة تدافع عن نفسها» و«الغزاة، الطرد». وتركز جزء من الغضب على رفض تخصيص فضاءات لإيواء المهاجرين، وعلى ما يعتبره محتجون عجزاً للسلطات عن إعادة الحياة اليومية إلى طبيعتها.

لكن الشارع لم يتوقف عند الاحتجاج على قرار إداري.

في اليوم التالي، أصبح الوصول إلى أماكن وجود المهاجرين هو نفسه هدفاً لبعض المحتجين. وحين اضطرت الشرطة إلى إقامة حواجز للفصل بين الطرفين، وحين تحولت بعض الاحتجاجات إلى تخريب وإحراق، أصبح واضحاً أن الأزمة انتقلت من مستوى الضغط السياسي إلى مستوى آخر أكثر حساسية: من يملك الحق في الشارع، ومن يحدد من ينتمي إلى المدينة ومن ينبغي أن يغادرها؟

هنا تحديداً تظهر خطورة ما يرويه بعض المغاربة المقيمين في سبتة عبر مقاطع ورسائل متداولة على شبكات التواصل و«واتساب» عن تعرضهم للاعتداء أو المضايقة لمجرد الاشتباه في أنهم من المهاجرين.

ولا يمكن، من دون تحقق مستقل من كل واقعة متداولة، التعامل مع هذه المقاطع باعتبارها دليلاً على حجم شامل للاعتداءات. لكن وجودها في هذا التوقيت، إلى جانب ما وثقته وسائل إعلام إسبانية من احتكاكات واعتداءات وتدخلات أمنية، يكشف اتساع دائرة التوتر إلى ما هو أبعد من الأشخاص الذين دخلوا المدينة في 30 و31 يوليوز.

وهذه نقطة لا ينبغي المرور عليها سريعاً.

لأن تحويل «المهاجر» إلى هوية بصرية أو عرقية يعني عملياً أن المغربي المقيم في سبتة، أو العامل فيها، أو الطفل الذي ولد فيها، أو المرأة التي تعيش حياتها بشكل عادي، يمكن أن يجد نفسه مطالباً بإثبات أنه ليس من الفئة المستهدفة.

الكراهية الرقمية سبقت الشارع

ما يحدث في الشارع لم يظهر من فراغ.

فبحسب المرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب، رصد نظام FARO خلال يوليوز 57,406 محتويات تتضمن خطاب كراهية أو سرديات تمييزية على شبكات التواصل، مقابل 40,800 في يونيو. وحدها يومي 30 و31 يوليوز، تزامناً مع الدخول الجماعي إلى سبتة، شهدت المنصات رصد 9,590 رسالة من هذا النوع. وكانت الفئات المنحدرة من شمال إفريقيا الأكثر استهدافاً، بنسبة 68 في المائة من المحتويات التي جرى تحليلها.

الأرقام تصبح أكثر دلالة حين ننظر إلى طبيعة الخطاب.

التقرير يرصد تهديدات، ودعوات إلى الطرد، وإهانات، ومضامين تنزع الصفة الإنسانية عن المستهدفين، إلى جانب التحريض على العنف. كما يشير إلى استخدام الصور ومقاطع الفيديو واللغة المشفرة والسخرية لتمرير محتويات تمييزية.

بمعنى آخر، كان هناك مسار رقمي يرفع منسوب العداء قبل أن يصل التوتر إلى الشاطئ والشارع.

لكن لا يصح اختزال الاحتجاجات كلها في خطاب اليمين المتطرف. فهناك غضب حقيقي لدى جزء من سكان سبتة من طريقة تدبير الأزمة، ومن بقاء آلاف المهاجرين في الشوارع والشواطئ، ومن الضغط الذي خلفته الأزمة على الخدمات والفضاءات العامة. وهذا الغضب قابل لأن يكون موضوعاً مشروعاً للنقاش السياسي.

المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الغضب من مساءلة الدولة إلى استهداف الأشخاص.

الدولة الإسبانية أمام معادلة أصعب من «الإرجاع»

الحكومة الإسبانية نفسها باتت تدرك أن الوضع لم يعد يحتمل معالجة جزئية.

وزير السياسة الترابية أنخيل فيكتور توريس، الذي تولى مسؤولية التنسيق المركزي للأزمة، أكد أمام البرلمان أن إعادة المهاجرين لا يمكن أن تتم بصورة فورية خارج الإجراءات القانونية، وأن تحديد هويات الموجودين ودراسة أوضاعهم هو جزء أساسي من المسار. كما أعلن عن 400 مكان إضافي في مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين، ليرتفع العدد إلى 1,183.

وقال توريس أيضاً إن بعض المواقع التي اقترحتها سلطات سبتة لاستقبال المهاجرين تحتاج أشهراً حتى تصبح صالحة للاستعمال، بسبب مشاكل في البنية التحتية والصرف الصحي والربط بالشبكات.

وهنا تكمن عقدة الأزمة.

فالسلطات مطالبة بإعادة الحياة إلى طبيعتها، لكنها لا تملك حلاً فورياً لجميع الموجودين. والمهاجرون لا يستطيعون ببساطة أن يختفوا من المدينة، فيما السكان الذين يشعرون بأن الأزمة طالت أكثر مما ينبغي يزداد غضبهم كل يوم.

وكل يوم إضافي من هذا الفراغ يزيد مساحة الاحتكاك.

لذلك لم يعد انتشار الشرطة في محيط الشواطئ مجرد إجراء لحفظ النظام. إنه علامة على أن الدولة أصبحت مطالبة بمنع تحول الخلاف حول سياسة الهجرة إلى صراع اجتماعي مفتوح.

وقد اضطرت الشرطة بالفعل إلى التدخل لمنع مجموعات من المحتجين من الوصول مباشرة إلى أماكن تجمع المهاجرين، بينما أطلقت قوات الأمن، في أحداث ليلية منفصلة، طلقات تحذيرية في الهواء لوقف محاولة مهاجمة مهاجرين.

والمغرب ليس بعيداً عن هذه الأزمة

بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر فقط بمواطنيه الذين دخلوا سبتة خلال موجة يوليوز.

إذا استمر الخلط بين «المغربي» و«المهاجر غير النظامي»، فإن الجالية المغربية في المدينة تصبح جزءاً من المشكلة في نظر خطاب شعبوي لم يعد يميز بالضرورة بين الوضع القانوني للأشخاص.

وهذا هو الجانب الذي يستحق اهتماماً أكبر من الرباط.

ليس المطلوب التدخل في الشأن الداخلي الإسباني أو الدفاع عن أي شخص ارتكب جريمة. المطلوب هو حماية المواطنين المغاربة، والتأكد من أن الاعتداء على شخص لا يصبح مقبولاً لمجرد أن مظهره أو لغته أو أصله يجعله قابلاً للتصنيف كمهاجر.

فالاحتجاج حق، ومناقشة سياسة الهجرة حق، ومطالبة الحكومة الإسبانية بحل الأزمة حق. أما تحويل الشارع إلى مكان يُفترض فيه أن يثبت المغربي أنه «ليس مهاجراً»، فذلك انتقال آخر تماماً.

ومن اللافت أن حكومة سبتة نفسها اضطرت إلى إصدار نداء للتهدئة، مؤكدة أن «سبتة للجميع» وأن العنف ليس طريقاً للخروج من الأزمة. كما أدان توريس الاعتداءات التي طالت مهاجرين ومسلمين ومتطوعي الصليب الأحمر وصحافيين، وقال إن بعض سكان سبتة تعرضوا أيضاً للاعتداء بعدما جرى الاشتباه خطأ في أنهم من المهاجرين الجدد.

هذه الأخيرة ربما تكون أكثر إشارات الأزمة دلالة.

عندما يصبح الاشتباه في الهوية سبباً للاعتداء، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت ملف الهجرة.

سبتة الآن أمام اختبار آخر: هل تستطيع الدولة أن تستعيد السيطرة على الشارع قبل أن يصبح الغضب الجماعي قاعدة للتعامل مع فئة كاملة من الناس؟

فالحد الفاصل بين الاحتجاج السياسي والعنف الأهلي ليس بعيداً كما كان قبل أيام. وما يحدث في الشواطئ اليوم ليس مجرد صورة من صور أزمة يوليوز؛ إنه اختبار لقدرة المؤسسات الإسبانية على منع أزمة هجرة استثنائية من التحول إلى أزمة تعايش، واختبار أيضاً لقدرة المغرب على حماية مواطنيه عندما تصبح هويتهم نفسها موضع اشتباه.

في هذه المرحلة، لا يكفي أن تعيد السلطات المهاجرين إلى مسار قانوني. عليها أيضاً أن تعيد الشارع إلى القانون.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img