ذات صلة

أحدث المقالات

وزير الداخلية الإسباني: المغرب لم يكن يعلم باقتحام سبتة…. وأطفالنا وشبابنا يتعرضون للاعتداء والترهيب.. فمن يحمي المغاربة؟

سبتة المحتلة.. مدريد تتحدث عن «الثقة» مع الرباط، فمن يحمي المغاربة من الاعتداءات في الشارع؟

بعد شهر تقريباً من اقتحام سبتة المحتلة، دخلت الأزمة مرحلة مختلفة. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالحدود، ولا بعدد الذين عبروا، ولا بما إذا كانت أجهزة الاستخبارات الإسبانية قد أخفقت في توقع العملية. الشوارع نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة.

خلال اليومين الأخيرين، تحولت احتجاجات سكان محليين إلى مواجهات وأعمال عنف استهدفت مهاجرين، بينهم مغاربة، كما طالت متطوعين في الصليب الأحمر وصحافيين وحتى مواطنين مسلمين من سكان المدينة. ووثقت وسائل إعلام إسبانية مشاهد لتدمير وإحراق خيام أقامها مهاجرون على شاطئ بنعيتز، بعد تجاوز محتجين للحاجز الأمني، فيما حاول محتجون في مناسبات أخرى منع وصول المساعدات الغذائية إلى المهاجرين.

هذه الوقائع لا تحتاج إلى توصيف سياسي مبالغ فيه. الصور والمقاطع المنتشرة، وما أكدته الشرطة ووسائل الإعلام الإسبانية، يكفي لإثبات أن العنف خرج من دائرة الاحتجاج السياسي ودخل إلى استهداف أشخاص بسبب وضعهم كمهاجرين، وفي حالات أخرى بسبب أصلهم أو مظهرهم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا مختلف عن السؤال الذي أجاب عنه وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أمام لجنة الداخلية في مجلس النواب.

مارلاسكا حاول، في جلسة الجمعة، إغلاق واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لحكومة بيدرو سانشيز: هل كانت أجهزة الدولة الإسبانية تعرف مسبقاً أن عملية ضخمة بهذا الحجم ستقع؟

جوابه كان واضحاً: لا.

قال إن أجهزة الاستخبارات الإسبانية، بما فيها المركز الوطني للاستخبارات CNI، واستخبارات القوات المسلحة CIFAS، وأجهزة المعلومات التابعة للشرطة الوطنية والحرس المدني، لم تكن تتوفر على معلومات تسمح بتوقع دخول جماعي بهذا الحجم. وكانت هناك، بحسب روايته، تقارير ومخاوف معتادة بشأن الهجرة غير النظامية، لكن لا شيء كان يشير إلى سيناريو عشرات الآلاف من الأشخاص خلال فترة قصيرة.

الأهم أن الوزير لم يحمّل المغرب المسؤولية.

بل ذهب إلى الاتجاه المعاكس تماماً. فقد دافع عن التعاون مع الرباط، واعتبره «أساسياً» و«قائماً على الثقة»، مشيراً إلى أن السلطات المغربية كانت، حتى 30 يوليوز، تعترض محاولات دخول سباحة إلى سبتة وتنفذ عمليات احتواء واسعة.

وفي آخر تصريحاته أمام البرلمان، أكد أن التعاون المغربي كان «مستداماً وفعالاً» وساهم في إعادة العدد الأكبر من الذين دخلوا إلى المدينة.

لكن هذه الرواية تترك سؤالاً آخر مفتوحاً.

إذا كان المغرب شريكاً أمنياً موثوقاً بالنسبة إلى مدريد، وإذا كانت إسبانيا تقول إنها لم تعتبر المغاربة خصماً أو طرفاً مسؤولاً عن الأزمة، فلماذا وجد آلاف المغاربة أنفسهم بعد دخولهم إلى سبتة في مواجهة اعتداءات من سكان محليين ومجموعات احتجاجية؟

هنا ينبغي الفصل بين مستويين.

الأول يتعلق بالمسؤولية عن دخول المهاجرين. والثاني يتعلق بمسؤولية الدولة عن حماية الموجودين على أراضيها.

يمكن للسلطات الإسبانية أن تقول إن دخول 30 و31 يوليوز كان غير متوقع، ويمكنها أن تدافع عن إجراءاتها الحدودية، ويمكن حتى أن تحقق في الجرائم التي ارتكبها بعض الوافدين. وهذا ما يحدث بالفعل. فقد أعلنت النيابة العامة الإسبانية تسجيل 16 اعتداءً جنسياً بحق 17 ضحية، معظمهن قاصرات، خلال الأزمة، كما تحدثت السلطات عن ارتفاع في جرائم أخرى وعن اعتداءات على عناصر الأمن.

لكن ذلك لا يمنح أي طرف حق أخذ القانون بيده.

وهذه النقطة لم تعد مجرد استنتاج صحافي. وزير السياسة الترابية الإسباني أنخيل فيكتور توريس أدان صراحة الاعتداءات التي طالت المهاجرين والمواطنين المسلمين ومتطوعي الصليب الأحمر والصحافيين والسياسيين، وطالب برسالة واضحة ضد العنف. كما دعا مارلاسكا، الجمعة، إلى وقف كل أشكال العنف، مؤكداً أن العنف ليس طريقاً لحل الأزمة.

بل إن ما حدث خلال اليومين الأخيرين يكشف أن المشكلة تجاوزت مسألة «المهاجرين» نفسها.

في بعض أحياء سبتة، تحولت الدعوات إلى طرد المهاجرين إلى تحركات منظمة عبر مجموعات واتساب، بحسب تقارير صحافية إسبانية، تضمنت دعوات إلى ملاحقتهم وإخراجهم من الأحياء بالقوة. وتحدثت تقارير أخرى عن اعتداء على مواطن محلي حتى كُسرت أنفه، وعن استهداف صحافيين أثناء تغطية الاحتجاجات.

وفي مشهد أكثر خطورة، اضطر الأمن الإسباني إلى التدخل لمنع مئات المحتجين من الوصول إلى أماكن تجمع المهاجرين، بينما أُحرقت خيامهم فعلياً في شاطئ بنعيتز. وفي الوقت نفسه، تعرضت قافلات الصليب الأحمر التي تنقل الطعام للمهاجرين إلى محاولات منع، واضطرت الشرطة إلى تأمين مرورها.

هنا تصبح عبارة «التعاون القائم على الثقة» التي يكررها مارلاسكا ذات معنى آخر.

فالمغرب، من وجهة نظر مدريد، مطلوب منه أن يمنع المغاربة من عبور الحدود. وعندما يعبر بعضهم، يصبح مطلوباً من إسبانيا أن تدير وجودهم وتحميهم وتطبق القانون عليهم وعلى من يعتدي عليهم.

هذه ليست معادلة سياسية معقدة. إنها مسؤولية دولة.

وإذا كانت مدريد تريد أن تقنع الرباط بأن ما جرى لم يكن عملية مدبرة من الجانب المغربي، فإن الطريقة الأكثر إقناعاً ليست فقط الأرقام المتعلقة بالاعتراضات البحرية أو الحديث عن التعاون الأمني. الطريقة الأكثر وضوحاً هي أن تثبت، على الأرض، أن المغربي الموجود في سبتة المحتلة يخضع للقانون الإسباني نفسه، وأن الاعتداء عليه لا يصبح مقبولاً لمجرد أنه دخل المدينة بطريقة غير قانونية.

الأمر أكثر حساسية لأن سبتة ليست مدينة إسبانية عادية في السياق السياسي المغربي. إنها أرض يطالب المغرب بالسيادة عليها، بينما تديرها إسبانيا باعتبارها جزءاً من أراضيها. ولذلك فإن أي اعتداء يستهدف مغاربة داخلها لا يبقى بسهولة حادثاً جنائياً معزولاً؛ سرعان ما يدخل في الذاكرة السياسية للعلاقة بين البلدين.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر في أزمة يوليوز.

إسبانيا تقول إن المغرب شريك أساسي، وإنه لم يكن وراء العملية، وإن التعاون معه ساعد على إعادة أكثر من سبعين ألف شخص إلى المغرب خلال فترة قصيرة. وفي الوقت نفسه، تظهر داخل سبتة صور ومشاهد لمغاربة يُلاحقون ويُهانون، وخيامهم تُحرق، ومساعدات غذائية موجهة إليهم تُمنع.

المشكلة إذن لم تعد فقط في من فتح الطريق إلى سبتة، بل في ماذا يحدث لمن دخلها بعد ذلك.

والأخطر أن المدينة بدأت تدخل منطقة لا تعود فيها الدولة وحدها هي صاحبة القرار. حين تبدأ مجموعات مدنية في تحديد من يستحق الطعام، ومن يجب أن يخرج، ومن يجوز الاعتداء عليه، يصبح الخطر أكبر من أزمة هجرة.

يصبح الخطر هو أن يتحول القانون نفسه إلى مسألة مزاج شارع.

حتى الآن، أعلنت الحكومة الإسبانية رفضها لهذا المسار، وتحدث مارلاسكا عن مجموعات تحاول «إثارة الكراهية والمواجهة»، فيما دعا توريس إلى وقف العنف. لكن السؤال الذي ستفرضه الأيام المقبلة لن يكون فقط: كم بقي من المهاجرين في سبتة؟

بل: هل تستطيع الدولة الإسبانية أن تحافظ على احتكارها للقوة والقانون في مدينة بدأت فيها مجموعات من السكان تتصرف وكأن لها حق تحديد مصير المهاجرين في الشارع؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي الآن.

أما الرباط، فإن صمتها أو محدودية ردها على صور الاعتداءات التي تطال مغاربة في سبتة المحتلة يفتح بدوره سؤالاً آخر: إذا كانت مدريد تعتبر التعاون مع المغرب «قائماً على الثقة»، فهل تمتد هذه الثقة إلى حماية كرامة المواطنين المغاربة عندما يكونون داخل سبتة، أم أن التعاون ينتهي عملياً عند الخط الحدودي؟

أزمة 30 يوليوز كشفت فشل التوقع الأمني الإسباني، بحسب رواية وزير الداخلية. أما أزمة أغسطس فتختبر شيئاً آخر: قدرة الدولة الإسبانية على منع تحول الغضب من سياسة الهجرة إلى عنف ضد الناس، وقدرة الرباط على ألا تترك مواطنيها وحدهم أمام هذا المشهد.

وهذه، في النهاية، هي القصة التي بدأت تتشكل خلف قصة الاقتحام.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img