ذات صلة

أحدث المقالات

زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة.. قمة مصرية – صينية ترسم ملامح شراكة جديدة

القاهرة - تستعد القاهرة لاستقبال الرئيس الصيني شي جين...

200 مُرحّل لا يروون القصة كاملة.. ثلاثة ملفات مرتبطة بالجهادية وراء التدقيق الأمني في سبتة

سبتة بعد شهر من العبور الكبير: حين تتحول الهجرة من أزمة حدود إلى اختبار أمني وسياسي

لم تعد أزمة سبتة المحتلة تُقاس بعدد الذين عبروا في نهاية يوليوز، بل بما بقي منها بعد انحسار المشهد الأول. فبعد أسابيع من التدفق الجماعي، والعودة الطوعية لآلاف الأشخاص، والتعبئة الأمنية والسياسية غير المسبوقة، بدأت السلطات الإسبانية تنتقل إلى مرحلة مختلفة: فرز من بقي، تحديد المسؤوليات، وترحيل من تثبت في حقه مخالفات أو جرائم.

اليوم، تقول الحكومة الإسبانية إن أكثر من 200 مهاجر ممن دخلوا سبتة المحتلة أواخر يوليوز جرى ترحيلهم بعد توقيفهم على خلفية ارتكاب أفعال مخالفة للقانون. الرقم أعلنه وزير السياسة الإقليمية الإسباني أنخيل فيكتور توريس، الذي يتولى أيضاً مسؤولية التنسيق الموحد لتدبير الأزمة. وكان وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا قد تحدث، في 28 غشت، عن أكثر من مائة عملية ترحيل.

لكن الرقم، في حد ذاته، ليس هو التطور الأكثر دلالة.

الأهم أن الدولة الإسبانية بدأت، بعد مرحلة الاستنفار، في تحويل الأزمة من مشهد جماعي إلى ملفات فردية: هوية، بصمات، وضع قانوني، قابلية للحماية الدولية، وضع القاصرين، وأي سوابق أو مخالفات جنائية. وهذا ما يفسر توسيع عملية الفرز الأمني، التي تقول وزارة الداخلية إنها تسبق أي إجراء إداري، سواء تعلق بالترحيل أو الإعادة أو طلب الحماية الدولية أو حماية القاصرين وضحايا الاتجار بالبشر.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف.

في نهاية يوليوز، بدت سبتة وكأنها أمام انهيار مؤقت للسيطرة على الحدود. اليوم، تتحول المدينة إلى فضاء واسع لعملية تدقيق أمني وإداري لم تنته بعد. الحكومة الإسبانية طلبت مساعدة أوروبية من فرونتكس ويوروبول والوكالة الأوروبية للجوء، ليس فقط لإدارة الوضع، وإنما للمساعدة في عمليات الفرز وجمع المعلومات ومعالجة الملفات.

هذا يعني أن الأزمة لم تعد إسبانية محلية بالكامل. لقد دخلت، بصورة أوضح، في بنية التعاون الأمني الأوروبي.

رقم الـ200 لا يقول كل شيء

أعلنت مصادر وزارة الداخلية الإسبانية أن ثلاثة من الذين جرى ترحيلهم منذ 30 يوليوز كانت لديهم سوابق مرتبطة بجرائم ذات صلة بالجهادية.

المعلومة حساسة، ولذلك تحتاج إلى دقة أكبر من العنوان.

وجود سوابق مرتبطة بالإرهاب أو بالتطرف لدى ثلاثة أشخاص لا يعني أن موجة العبور نفسها كانت موجة إرهابية، ولا يعني أن هؤلاء الأشخاص ارتكبوا جرائم إرهابية داخل سبتة بعد دخولهم. كما لا يسمح الرقم، وحده، ببناء صلة بين الهجرة غير النظامية والإرهاب باعتبارها علاقة عامة.

لكن وجود هذه الحالات يفسر، من زاوية أمنية، لماذا أصبحت عملية تحديد الهوية والتدقيق في السوابق جزءاً مركزياً من إدارة المرحلة التالية للأزمة.

وهذا بالضبط ما بدأت مدريد في بنائه. وزارة الداخلية تقول إن عملية الفرز تشمل الفحص الطبي، وتقييم حالات الهشاشة، والتحقق من الهوية، وأخذ البصمات والصور والبيانات البيومترية، قبل الانتقال إلى الإجراء القانوني المناسب لكل حالة.

بمعنى آخر، الدولة الإسبانية تحاول الآن أن تستعيد عبر الملفات الفردية ما فقدته، ولو مؤقتاً، وسط التدفق الجماعي.

من آلاف العابرين إلى نحو 5 آلاف باقين

في 28 غشت، قال مارلاسكا أمام لجنة الداخلية في البرلمان الإسباني إن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز، وإن الغالبية عادت طوعاً إلى المغرب خلال فترة قصيرة، فيما قدّر عدد الذين ما زالوا في المدينة بنحو 5 آلاف، بينهم نحو 1500 قاصر.

الأرقام نفسها كانت موضع خلاف سياسي داخل إسبانيا، إذ رفعت المعارضة تقديراتها إلى أرقام أكبر بكثير.

لكن، بعيداً عن هذا السجال، فإن بقاء آلاف الأشخاص بعد مرور شهر يفسر استمرار الأزمة. فالدولة لا تتعامل فقط مع أشخاص دخلوا بشكل غير نظامي، وإنما مع وضع قانوني وإنساني وأمني معقد يتطلب تحديد وضع كل فرد على حدة.

وهنا يتغير معنى الأزمة.

في 30 يوليوز كان السؤال: كيف دخل كل هؤلاء؟

بعد شهر، أصبح السؤال: من بقي؟ من يمكن إعادته؟ من يطلب الحماية؟ من هو قاصر؟ ومن لديه سوابق؟ ومن يمكن أن يشكل خطراً أمنياً؟ ومن يحتاج إلى حماية أو رعاية؟

هذه ليست أسئلة متطابقة، ولا يمكن أن تكون الإجابة عنها جماعية.

من الحدود إلى المدارس

الدلالة الأخرى في إعلان اليوم أن الحكومة الإسبانية ربطت الملف الأمني مباشرة بعودة المدارس في 8 شتنبر.

وزارة التعليم أعلنت تعزيز المراقبة في محيط المدارس والمسارات المدرسية، مع حضور أمني خلال ساعات الدراسة.

هذا التطور يكشف حجم التحول في المزاج المحلي. فالأزمة التي بدأت عند البحر والحدود أصبحت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية للمدينة: الشوارع، الأحياء، مراكز الإيواء، ثم المدارس.

وهذا ما يجعل الملف أكثر تعقيداً من مجرد قضية هجرة.

فكلما طال بقاء المهاجرين، انتقل النقاش من مراقبة الحدود إلى العلاقة بين الأمن والخدمات العامة والفضاء المدني. وكلما ارتفعت المخاوف المحلية، أصبحت الحكومة مطالبة بأن تثبت أن السيطرة لم تعد مجرد شعار سياسي، وإنما ممارسة يومية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إسبانيا نفسها بدأت في بناء استجابة تتجاوز الأمن وحده. الحكومة أعلنت إجراءات اقتصادية لدعم سبتة، كما أُقر تمويل إضافي بقيمة 25 مليون يورو للتعامل مع الأطفال المهاجرين غير المصحوبين.

وهذا يؤكد أن مدريد باتت تتعامل مع آثار الأزمة باعتبارها مشكلة متعددة المستويات: أمنية، اجتماعية، مالية، إنسانية وسياسية.

ما الذي بقي من 30 يوليوز؟

ربما يكون أكبر خطأ هو النظر إلى ما حدث في نهاية يوليوز باعتباره حادثة انتهت بمجرد عودة معظم العابرين.

الأزمة غيّرت طريقة تعامل إسبانيا مع سبتة. فقد ظهر مطلب «القيادة الموحدة» بقوة منذ الأيام الأولى، ثم أنشأت الحكومة لاحقاً آلية موحدة لتنسيق تدبير الأزمة، كما توسع التعاون مع الأجهزة الأوروبية.

وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمة هشاشة الحدود عندما يتحول تدفق بشري مفاجئ إلى ظاهرة جماعية، مهما كان حجم العائدين لاحقاً.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: البيئة الرقمية التي سبقت العبور. تحقيقات مستقلة في إسبانيا وثقت انتشار مئات المنشورات المتطابقة على مواقع التواصل في 30 يوليوز، ربطت بين حكم للمحكمة العليا الإسبانية وبين فكرة أن القادمين سباحة إلى سبتة لا يمكن إعادتهم فوراً.

وهنا يصبح ما جرى أكثر من أزمة هجرة تقليدية. لقد اجتمع في لحظة واحدة: حدود بحرية، شبكات اجتماعية، معلومة قانونية مجتزأة، حركة جماعية، ثم استجابة أمنية وسياسية وأوروبية.

أما الآن، فإن الدولة الإسبانية تحاول تفكيك هذا المشهد إلى وحدات أصغر: شخصاً شخصاً، ملفاً ملفاً.

وهذا هو التحول الحقيقي الذي تكشفه أرقام اليوم.

فبعد أن كان التحدي هو منع سبتة من أن تصبح مفتوحة أمام تدفق جماعي، أصبح التحدي هو إدارة ما خلفه ذلك التدفق من آلاف الملفات، من دون أن يتحول الأمن إلى تعميم، ومن دون أن تتحول الهجرة إلى تهمة جماعية، ومن دون أن تُختزل الحالات الفردية في رقم واحد.

أزمة 30 يوليوز لم تنته. إنها فقط غيّرت شكلها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img