ذات صلة

أحدث المقالات

حين مُزِّق العلم المغربي في إسبانيا.. إلى من يظن أن المغرب سيبتلع الإهانة؟

حين مُزِّق العلم المغربي في إسبانيا.. يبدو أن البعض نسي من هو المغرب

لم يكن المشهد يحتاج إلى شرح طويل. أمام الكاميرا، وباسم تنظيم سياسي إسباني، جرى تمزيق العلم المغربي في فعل رمزي مقصود، ثم لم يتوقف الأمر عند الصورة، بل رافقها خطاب أكثر استفزازاً وصل إلى عبارة «Que arda la bandera Alahuíta»؛ أي «فليحترق العلم العلوي». الفاعلان هما رئيس منظمة «Democracia Nacional» بيدرو تشابارو ونائبه غونزالو مارتين، والتنظيم نفسه قدم ما جرى باعتباره موقفاً سياسياً من المغرب ودفاعاً عن السيادة الإسبانية. Democracia Nacional

قد يحاول البعض وضع الواقعة في خانة الاستفزاز السياسي العابر، خصوصاً أنها جاءت في خضم التوتر حول سبتة والهجرة والحدود. لكن المشكلة تبدأ عندما نضع هذه الصورة إلى جانب ما يقوله التنظيم نفسه عن المغاربة المقيمين في إسبانيا. ففي بيان له حول أزمة سبتة، لم يكتفِ التنظيم بالمطالبة بتشديد الحدود أو انتقاد المغرب، بل دعا إلى عودة المهاجرين المغاربة إلى بلدهم، وتحدث عن احتمال تحولهم إلى «طابور خامس» في حال اندلاع مواجهة مع المغرب. هنا لم يعد الخلاف متعلقاً بحكومة الرباط أو بسياسة الهجرة، بل أصبح الأصل المغربي نفسه موضع اشتباه سياسي.

وهذا فارق لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج أزمة سبتة. فإسبانيا تستطيع، مثل أي دولة، أن تضع قوانين للهجرة وأن تحرس حدودها وأن تعترض على أي سياسة مغربية تراها مخالفة لمصالحها. والمغرب يستطيع أن يختلف مع إسبانيا حول سبتة، والهجرة، والحدود، ومجموعة واسعة من الملفات. السياسة تحتمل الخلاف، والعلاقات بين الدول لا تقوم على المجاملات. لكن تحويل ما يقارب مليون مغربي يعيشون في إسبانيا إلى «طابور خامس» محتمل يذهب بالخلاف إلى منطقة مختلفة تماماً.

والأرقام هنا ليست تفصيلاً صغيراً. المواطنون المغاربة يشكلون واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية في إسبانيا، ويعيشون داخل المجتمع الإسباني منذ عقود، يعملون في مختلف القطاعات، ويربي كثير منهم أبناء ولدوا في إسبانيا ويحملون جنسيتها. بعضهم أصبح إسبانياً بالكامل من الناحية القانونية، وإن بقيت له روابط عائلية وثقافية مع المغرب. أن يُنظر إلى هؤلاء جميعاً باعتبارهم امتداداً لدولة أجنبية أو مشروعاً لقوة معادية هو خطاب لا يسيء إلى المغرب وحده، وإنما يضع تصوراً خطيراً لمعنى المواطنة والانتماء داخل المجتمع الإسباني.

والأغرب أن هذا الخطاب ليس وليد أزمة الأيام الأخيرة. فالتنظيم ذاته بنى منذ سنوات جزءاً من خطابه السياسي على فكرة «العدو الجنوبي»، وقدم المغرب باعتباره تهديداً استراتيجياً لإسبانيا، وربط وجود المغاربة داخل البلاد باحتمالات أمنية وعسكرية. وفي السنوات الماضية ظهرت في خطابه عبارات عن «الطابور الخامس المغربي» و«اللوبي المغربي»، إلى جانب مطالب بقطع العلاقات مع الرباط وتشديد الإجراءات ضد الهجرة المغربية.

ثم جاءت أزمة سبتة لتوفر لهذه الأفكار مسرحاً مثالياً.

ما حدث في سبتة خلال الصيف كان أزمة حقيقية بالنسبة إلى المدينة وإلى السلطات الإسبانية، بغض النظر عن الخلاف حول عدد الوافدين أو ملابسات ما جرى. كانت هناك حركة واسعة نحو الحدود، وأعيد جزء كبير ممن دخلوا بشكل غير نظامي، وفتحت الأجهزة الإسبانية تحقيقاتها، وظهرت تقارير تتحدث عن أدوار محتملة لعناصر مغربية في توجيه بعض التحركات. لكن حتى في هذه النقطة الحساسة، كان هناك فارق بين ما تقوله بعض التقارير الأمنية وبين تحميل الحكومة المغربية رسمياً مسؤولية العملية. رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه أكد أمام البرلمان عدم وجود دليل يثبت أن الحكومة المغربية خططت للعملية.

هذا الفارق مهم، لأن الصحافة الجادة لا تخلط بين الاشتباه والإثبات، ولا بين تقرير أمني وموقف دولة، ولا بين تنظيم قومي متطرف وبين الشعب الإسباني.

لكن إذا كانت أزمة سبتة تملك أدوات الدولة والقانون لمعالجتها، فلماذا يحتاج تنظيم سياسي إلى الذهاب أبعد من ذلك، إلى تمزيق العلم المغربي، والدعوة إلى إحراقه، ووضع المغاربة المقيمين في إسبانيا داخل خانة «الطابور الخامس»؟

هنا يصبح السؤال أكبر من سبتة.

العلم المغربي ليس ملكاً للحكومة المغربية وحدها. إنه رمز لدولة لها شعبها وتاريخها وسيادتها. ومن حق أي إسباني أن ينتقد سياسة المغرب، وأن يرفض موقف الرباط من سبتة، وأن يختلف مع الملك محمد السادس أو مع الحكومة المغربية. هذا كله يدخل في المجال السياسي. أما تمزيق العلم المغربي كفعل رمزي للإذلال، ثم الانتقال من مهاجمة الدولة إلى الاشتباه في ملايين الأشخاص بسبب أصلهم، فهو خطاب آخر.

والمغرب يعرف جيداً الفرق بين الدولة الإسبانية وبين تنظيمات سياسية تتبنى خطاباً قومياً متطرفاً. مدريد والرباط ليستا في حالة حرب، بل إن العلاقات بينهما خلال السنوات الأخيرة شهدت تعاوناً واسعاً في الأمن والهجرة والتجارة والقضاء، وصولاً إلى الاستعداد المشترك مع البرتغال لتنظيم كأس العالم 2030. وتحدث مسؤولون إسبان أكثر من مرة عن أهمية التعاون مع المغرب وعن مستوى العلاقات الذي وصلت إليه.

لهذا لا يجوز أن تتحول تصريحات «Democracia Nacional» إلى اتهام لإسبانيا كلها. لكن عدم التعميم لا يعني أيضاً أن المغرب مطالب بابتلاع الإهانة.

هناك لحظات يصبح فيها الصمت خطأ في الحساب، ليس لأن الرد يجب أن يكون صاخباً، وإنما لأن السكوت المتكرر قد يُفهم من البعض على أنه قبول. والمغرب، الذي بنى علاقاته مع إسبانيا على المصالح المشتركة وحسن الجوار، ليس مضطراً إلى التخلي عن كرامته حتى يحافظ على هذه العلاقة.

لقد اختار المغرب خلال السنوات الماضية منطق الشراكة مع إسبانيا. فتح أبواب التعاون في ملفات كانت إلى وقت قريب شديدة الحساسية، وطور العلاقات الاقتصادية والأمنية، وتعامل مع إسبانيا باعتبارها شريكاً أوروبياً وجاراً لا يمكن تجاهله. لكن الشراكة لا تعني أن يصبح احترام المغرب اختياراً موسمياً، ولا أن يصبح العلم المغربي مادة للتمزيق كلما أراد تنظيم متطرف أن يثبت حضوره في الشارع.

والذين يتعاملون مع المغاربة في إسبانيا باعتبارهم «طابوراً خامساً» ربما يحتاجون إلى النظر في التاريخ الحديث للعلاقات بين البلدين قبل إطلاق هذه الاتهامات. المغاربة لم يعبروا إلى إسبانيا كجيش، وإنما عبروا في الغالب كعمال وأسر وطلبة وأصحاب أعمال، وبنوا لأنفسهم حياة كاملة داخل المجتمع الإسباني. كثير منهم يدفع الضرائب ويعمل في قطاعات تحتاجها إسبانيا، وكثير منهم أصبح جزءاً من النسيج الاجتماعي للمدن الإسبانية نفسها. ومن غير المعقول أن يتحول الأصل المغربي فجأة إلى شبهة ولاء لمجرد أن العلاقات السياسية بين مدريد والرباط تمر بمرحلة توتر.

ثم إن المغرب ليس بلداً بلا ذاكرة.

من السهل على من ينظر إلى الضفة الجنوبية من المتوسط من خلف شاشة أن يختزل المغرب في ملف الهجرة أو سبتة أو موقف سياسي عابر. لكن التاريخ بين البلدين طويل، ومليء بالمواجهات والاحتلال والمقاومة والتفاوض والتحولات. والمغاربة يعرفون جيداً أن العلاقات الدولية لا تقوم على النسيان، كما يعرفون في الوقت نفسه أن التاريخ ليس رخصة للكراهية ولا ذريعة للصراع الدائم.

ولهذا فإن الرسالة المغربية لا تحتاج إلى تهديد الإسبان، ولا إلى الدعوة إلى الانتقام من المواطنين الإسبان، ولا إلى وضع شعب كامل في خانة واحدة بسبب أفعال تنظيم متطرف. الرسالة أبسط وأكثر صرامة: نحن نحترم إسبانيا عندما تتحدث باسم دولتها ومؤسساتها وشعبها، وننتظر منها أن تميز بدورها بين خلافها السياسي مع المغرب وبين استهداف المغاربة بسبب أصلهم.

أما العلم الذي مُزِّق، فيمكن لمن فعل ذلك أن يظن أنه مزق قطعة قماش.

لكن بالنسبة إلى المغاربة، الأمر ليس كذلك.

العلم رمز، والإهانة رسالة، والرد عليها لا يحتاج إلى انفعال. يكفي أن يعرف من أرسلها أن المغرب لا يتعامل مع كرامته باعتبارها تفصيلاً في معركة انتخابية أو مادة للاستعراض القومي.

المغرب لا يبحث عن مواجهة مع إسبانيا، ولا يريد أن تتحول ضفتا المتوسط إلى ساحة صراع جديد. لكنه أيضاً لن يقبل أن يصبح احترامه ثمناً للصمت، أو أن يصبح المغاربة المقيمون في إسبانيا هدفاً سهلاً لخطاب يخلط بين الجنسية والعداء، وبين الهجرة والخيانة، وبين الخلاف السياسي والكراهية.

ومن يعتقد أن المغاربة يتراجعون كلما ارتفع الصوت في الجهة الأخرى، فالأفضل له أن يقرأ التاريخ قبل أن يختبر هذا الاعتقاد.

فالمغرب يعرف متى يصمت حفاظاً على علاقة، ويعرف أيضاً متى يتكلم دفاعاً عن كرامة.

وهذه المرة، الكلام واجب.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img