ذات صلة

أحدث المقالات

سبتة من أزمة حدود إلى أزمة سلطة في إسبانيا.. ماذا يكشف دفاع سانشيز عن المغرب؟

لم تعد أزمة سبتة تُدار عند السياج الحدودي وحده.

في الثالث من سبتمبر، وقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام البرلمان في مدريد ليجيب عن سؤال أصبح أكبر من حادثة الهجرة الجماعية التي وقعت في نهاية يوليو: هل كانت إسبانيا أمام تدفق مهاجرين مفاجئ، أم أمام عملية كان وراءها تنظيم أو تسهيل من الجانب المغربي؟

كان يمكن لسانشيز أن يختار الطريق الأسهل سياسياً: تحميل المغرب المسؤولية، ثم محاولة احتواء النتائج. لكنه فعل العكس تقريباً.

قال أمام البرلمان إنه لا توجد لدى الحكومة الإسبانية أدلة صلبة تثبت أن المغرب خطط أو نفذ عملية العبور الجماعي. وفي الوقت نفسه، لم ينفِ أن السلطات المغربية سمحت بالعبور خلال فترة حاسمة من يوم 30 يوليو. وتعهد بأن تكون ردة فعل مدريد حازمة إذا ظهرت لاحقاً أدلة قاطعة على تورط مغربي مباشر.

هذه الصيغة هي التي تجعل الأزمة أكثر تعقيداً، لا أقل.

فسانشيز لا يبرئ كل ما جرى على الجانب المغربي، لكنه يرفض القفز من وجود مؤشرات وأسئلة أمنية إلى اتهام الدولة المغربية بالتخطيط للعملية. وبين الموقفين توجد مساحة سياسية واسعة أصبحت ساحة الصراع الحقيقي في مدريد.

التقرير الأمني الإسباني الذي تسرب إلى الإعلام زاد المشكلة تعقيداً. فقد تحدث عن تساهل واسع من جانب القوات المغربية، وأشار إلى مشاهد وشهادات وفيديوهات توحي بأن العبور لم يكن مجرد حركة عفوية لمهاجرين. لكنه، وفق ما ظهر في النقاش السياسي والإعلامي، لم يقدم دليلاً نهائياً يثبت أن الحكومة المغربية اتخذت قراراً سياسياً بتنظيم العملية.

وهنا يجب الفصل بين أمرين كثيراً ما اختلطا في النقاش الإسباني: هل حدث تساهل أو تقصير أو مشاركة من عناصر أمنية مغربية؟ وهل صدر قرار من الدولة المغربية لتنظيم العملية؟

الأول أصبح موضوعاً جدياً للنقاش والتحقيق. أما الثاني فما زال يحتاج إلى دليل.

سانشيز اختار أن يبني موقفه على هذه المسافة.

ولذلك فإن ما حدث في البرلمان لم يكن مجرد دفاع عن المغرب. كان، في جانب منه، دفاعاً عن الرواية التي تحتاجها الحكومة الإسبانية حتى لا تتحول أزمة سبتة إلى أزمة اتهام متبادل بين مؤسسات الدولة نفسها.

فالبرنامج الألماني الذي تناول الأزمة التقط هذه النقطة بوضوح عندما نقل النقاش من المغرب إلى الداخل الإسباني. الحديث لم يعد فقط عن العلاقة مع الرباط، بل عن التوتر بين الحكومة وأجهزة أمنية وسياسية وإعلامية ترى أن الرواية الرسمية غير مكتملة.

وهذه النقطة تستحق الانتباه أكثر من التصريحات الحادة التي ملأت الأيام الماضية.

إذا كانت مؤسسات أمنية أو تقارير شرطية تقدم قراءة مختلفة عما تقوله الحكومة، فإن سانشيز لا يواجه المعارضة وحدها. يصبح مطالباً بإدارة خلاف داخل الدولة نفسها، وهو أمر مختلف تماماً عن خلاف سياسي عادي بين الحكومة واليمين.

ومن هنا يمكن فهم سبب إصراره على إعلان أن حكومته لا تملك دليلاً قاطعاً ضد المغرب.

ذلك لا يعني أن مدريد أغلقت الملف. العكس هو الصحيح. الحكومة أعلنت أيضاً أنها ستنشر الوثائق والتقارير المتعلقة بالأزمة حتى تكون الوقائع قابلة للفحص العام.

وهنا تدخل العلاقات المغربية الإسبانية إلى منطقة أكثر حساسية.

ففي الوقت الذي يدافع فيه سانشيز عن ضرورة الحفاظ على الشراكة مع الرباط، كشف في البرلمان أن الحكومة الإسبانية كانت قد استدعت ممثل المغرب في 21 أغسطس بسبب تصريحات اعتبرتها “غير مقبولة” حول سبتة ومليلية. لكن هذه الواقعة نفسها تحتاج إلى قراءة دقيقة: الخارجية الإسبانية أوضحت لاحقاً أن الذي حضر إلى الوزارة في ذلك اليوم كان القائم بالأعمال، وليس السفيرة كريمة بنيعيش، التي كانت غائبة.

الفارق ليس شكلياً.

في الدبلوماسية، هناك فرق بين احتجاج رسمي، واستدعاء سفير، واستدعاء القائم بالأعمال، ثم هناك فرق أكبر بين ذلك وبين استدعاء السفير إلى بلاده أو تجميد التعاون.

حتى الآن لم تذهب مدريد إلى تلك المراحل.

بل إن سانشيز، في اليوم نفسه الذي شدد فيه على أن سبتة ومليلية إسبانيتان، أبقى الباب مفتوحاً أمام استمرار التعاون مع المغرب، مؤكداً أن معالجة الأزمة تحتاج إلى التعاون مع الرباط.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي يفرض نفسه على إسبانيا أكثر مما يفرض نفسه على المغرب: ماذا يحدث إذا أصبحت سبتة ورقة انتخابية؟

اليمين الإسباني لديه مصلحة واضحة في تحويل الأزمة إلى دليل على ضعف الحكومة. وحزب الشعب وفوكس يستخدمان الملف للضغط على سانشيز، فيما توجد انتقادات أيضاً من داخل المعسكر الداعم للحكومة، وإن كانت منطلقاتها مختلفة.

فاليمين يريد موقفاً أكثر صرامة تجاه المغرب والهجرة، بينما تنتقد قطاعات من اليسار الحكومة من زاوية مختلفة، وترى أن مدريد لا ينبغي أن تحول التعاون مع الرباط إلى غطاء سياسي.

وفي الوسط يقف سانشيز.

هو يحتاج المغرب في ملف الهجرة والأمن، ويعرف أن القطيعة مع الرباط ستدفع كلفتها إسبانيا قبل غيرها. وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يظهر أمام الناخب الإسباني وكأنه يتجاهل ما تعتبره قطاعات واسعة من الرأي العام قضية تمس أمن الحدود والسيادة.

لهذا جاءت لغته مزدوجة: المغرب شريك، لكن أي دليل على تورط رسمي سيغيّر الموقف.

هذه ليست صيغة اعتباطية.

إسبانيا جربت في 2021 ماذا يعني انفجار العلاقة مع الرباط. أزمة دخول آلاف المهاجرين إلى سبتة آنذاك تحولت إلى أزمة دبلوماسية عميقة، وشهدت العلاقات الثنائية تجميداً في مجالات أمنية واستخباراتية قبل أن تعود لاحقاً إلى مسار مختلف.

اليوم تبدو مدريد أكثر حذراً في الوصول إلى تلك النقطة.

والسبب لا يتعلق بالمغرب وحده.

الاتحاد الأوروبي نفسه لا يريد أن تتحول أزمة سبتة إلى أزمة أوروبية جديدة حول الهجرة والحدود الجنوبية. فالمغرب بالنسبة إلى أوروبا ليس ملف هجرة فقط؛ هناك التعاون الأمني، مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، التجارة، الطاقة، الزراعة، والأمن في غرب المتوسط.

ولهذا فإن أي تصعيد طويل بين مدريد والرباط ستكون له كلفة تتجاوز حدود سبتة.

لكن المغرب بدوره أمام معادلة دقيقة.

الصمت الرسمي المغربي، حتى الآن، أتاح لمدريد أن تدير جزءاً من الأزمة بعيداً عن مواجهة مباشرة مع الرباط. وهو صمت يمكن قراءته باعتباره رغبة في عدم تحويل الخلاف إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة.

غير أن الصمت له حدوده أيضاً.

فحين تنتقل تصريحات تتعلق بسبتة ومليلية من أصوات هامشية إلى مسؤولين حكوميين مغاربة، تصبح لدى الحكومة الإسبانية مادة تستخدمها أمام البرلمان والرأي العام. وهذا بالضبط ما حدث عندما استند سانشيز إلى تصريحات وزيرين مغربيين لتبرير الاحتجاج الدبلوماسي الإسباني.

هنا ينبغي أن تكون القراءة المغربية أكثر هدوءاً، لا أكثر انفعالاً.

ليس من مصلحة الرباط أن تتحول قضية سبتة ومليلية، وهي قضية سيادية ثابتة في الموقف المغربي، إلى وقود انتخابي دائم في إسبانيا. كما ليس من مصلحتها أن تتحول أزمة الهجرة إلى اختبار علني للتحالفات داخل الحكومة الإسبانية.

المغرب يستطيع أن يختلف مع مدريد في قضايا السيادة، وأن يتمسك بموقفه التاريخي، من دون أن يسمح بأن يصبح طرفاً في معركة السلطة الإسبانية.

وهذه ربما هي النقطة الأهم التي تكشفها تغطية المسائية الألمانية.

الأزمة بدأت في سبتة، لكنها لم تعد أزمة سبتة فقط.

لقد دخلت البرلمان الإسباني، ثم دخلت العلاقة بين الحكومة وأجهزة الدولة، ثم أصبحت مادة للصراع بين اليمين واليسار، ثم وجدت طريقها إلى الدبلوماسية الأوروبية.

أما المغرب، فحتى الآن، لم يدخل هذا الصراع بالطريقة التي يريدها خصوم سانشيز.

وهذا تحديداً ما يفسر استمرار رئيس الحكومة الإسبانية في الدفاع عن إبقاء العلاقة مع الرباط مفتوحة، رغم الضغط السياسي المتزايد عليه.

السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان سانشيز سيقول كلاماً أكثر تشدداً عن المغرب. لقد قال بالفعل إن سبتة ومليلية إسبانيتان، وإن حكومته ستتصرف بحزم إذا ظهرت أدلة قوية.

السؤال الأصعب هو ما إذا كانت التحقيقات ستقدم تلك الأدلة.

إذا لم تظهر، فستبقى أزمة سبتة مشكلة سياسية وأمنية وإنسانية ثقيلة على الحكومة الإسبانية، لكنها لن تتحول بالضرورة إلى أزمة دولة مع المغرب.

أما إذا ظهرت أدلة موثوقة على تخطيط رسمي، فالصيغة التي اعتمدها سانشيز اليوم ستضعه أمام التزام قطعه بنفسه أمام البرلمان: التحرك.

حتى ذلك الحين، لا توجد أمام الصحافة الجادة إلا قاعدة واحدة: ألا تجعل الشك دليلاً، وألا تجعل الصمت اعترافاً، وألا تجعل الأزمة الإسبانية الداخلية حقيقة مغربية.

فالمؤكد حتى الآن أن سبتة أصبحت واحدة من أصعب الملفات التي يواجهها سانشيز داخلياً. والمؤكد أيضاً أن مدريد لا تريد، رغم كل الضجيج، أن تخسر التعاون مع الرباط.

أما ما جرى خلف الحدود في الساعات التي سبقت العبور الجماعي، ومن اتخذ القرار، ومن سهّل، ومن استفاد سياسياً من الفوضى، فما زال جزءاً من القصة التي لم تكتمل بعد.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img