ذات صلة

أحدث المقالات

هل دخلت المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة “الحرب بلا وسطاء”؟

هناك سؤالًا يتجاوز توصيف المعركة الجارية بين الولايات المتحدة...

اليمين الفرنسي يعلن التمرد… 250 ألف تأشيرة للجزائريين تتحول إلى أزمة حكم

يبدو أن الأزمة الفرنسية الجزائرية لم تعد مجرد أزمة...

حين يصبح البرلمان مُشرِّعًا بالاسم فقط… هل انتقل مركز صناعة القانون في المغرب إلى الحكومة؟

في الأنظمة الديمقراطية، يُنظر إلى البرلمان باعتباره المؤسسة التي...

اليمين الفرنسي يعلن التمرد… 250 ألف تأشيرة للجزائريين تتحول إلى أزمة حكم

يبدو أن الأزمة الفرنسية الجزائرية لم تعد مجرد أزمة دبلوماسية بين دولتين، بل تحولت إلى ساحة مواجهة داخل السياسة الفرنسية نفسها. فالتصريحات التي أدلى بها السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتي، بشأن استعادة العلاقات الثنائية ورفع عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين إلى نحو 250 ألف تأشيرة سنوياً، لم تُقرأ في باريس باعتبارها إعلاناً تقنياً عن استئناف الخدمات القنصلية، وإنما بوصفها إعلاناً سياسياً يحمل رسائل تتجاوز ملف التأشيرات إلى إعادة رسم فلسفة العلاقة مع الجزائر. ومن هنا بدأت العاصفة.

فالخطاب الدبلوماسي، بطبيعته، يحرص على تقديم المصالحة باعتبارها انتصاراً للعقلانية والمصالح المشتركة، غير أن السياسة الداخلية لا تقرأ الكلمات بالطريقة نفسها. ففي اللحظة التي تحدث فيها السفير عن “الثقة” و”إعادة إطلاق العلاقات” و”استعادة التعاون”، سارع اليمين الفرنسي إلى تفكيك هذا الخطاب من زاوية مختلفة تماماً، معتبراً أن ما يجري ليس استعادة للتوازن، بل سلسلة تنازلات مجانية قدمتها الرئاسة الفرنسية دون مقابل سياسي واضح.

في هذا السياق، لا تبدو قضية منح ربع مليون تأشيرة سنوياً هي جوهر الخلاف، بل مجرد عنوان لجدل أعمق يتعلق بسؤال السيادة وهيبة الدولة. فاليمين الفرنسي لم يهاجم الرقم في حد ذاته، وإنما ربطه بسلسلة من الملفات التي لا تزال عالقة، بدءاً من ملف إعادة المهاجرين غير النظاميين، مروراً بقضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، وانتهاءً بالتوترات التي هيمنت على العلاقات الثنائية خلال الأشهر الماضية. ومن هذا المنظور، يصبح الإعلان عن توسيع منح التأشيرات، قبل تحقيق اختراق في تلك الملفات، بمثابة رسالة ضعف أكثر منه رسالة انفتاح.

لهذا لم يستخدم برونو روتايو لغة الاعتراض التقليدي، بل لجأ إلى مفردات ذات حمولة رمزية قوية عندما تحدث عن “انحناء” الدبلوماسية الفرنسية أمام الجزائر. فهذه العبارة لا تستهدف السفير بقدر ما تستهدف الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه، لأنها تقدم سياسته الخارجية باعتبارها سياسة تراجع أمام الضغوط، في لحظة تستعد فيها فرنسا تدريجياً للدخول في معركة الانتخابات الرئاسية لسنة 2027.

أما جوردان بارديلا، فقد ذهب أبعد من ذلك، عندما وصف ما يجري بأنه “استسلام”. واللافت هنا أن الخطاب اليميني لم يعد يناقش تفاصيل السياسة الخارجية، بل يعيد توظيف الملف الجزائري داخل السجال الانتخابي الفرنسي، حيث تتحول الهجرة إلى ورقة سياسية، والتأشيرات إلى مؤشر على قوة الدولة أو ضعفها، والعلاقة مع الجزائر إلى اختبار لقدرة السلطة التنفيذية على فرض شروطها.

ومن هنا، يمكن قراءة تصريحات السفير الفرنسي باعتبارها نصاً دبلوماسياً، بينما جاءت ردود اليمين باعتبارها عملية تفكيك لذلك النص، بحثاً عن الرسائل الضمنية التي يخفيها. فحين يقول السفير إن الرئيس كلفه بإعادة العلاقات إلى طبيعتها، يقرأ خصوم ماكرون العبارة باعتبارها اعترافاً ضمنياً بأن باريس كانت الأكثر استعجالاً لإنهاء الأزمة. وحين يتحدث عن إعادة التعاون الأمني والقضائي والهجرة، يرى اليمين أن فرنسا عادت إلى طاولة التعاون قبل أن تحصل على الضمانات التي كانت تطالب بها.

وهنا تتجلى إحدى المفارقات الكبرى في إدارة الأزمات الدبلوماسية. فما تعتبره السلطة التنفيذية خطوة براغماتية لحماية المصالح الفرنسية، يقدمه خصومها باعتباره تراجعاً عن مبادئ السيادة. ولذلك فإن الخلاف الحقيقي لا يدور حول الجزائر وحدها، وإنما حول تعريف المصلحة الوطنية نفسها: هل تُقاس بقدرة الدولة على الحفاظ على قنوات الحوار مهما بلغت الخلافات، أم بقدرتها على فرض شروطها قبل العودة إلى الحوار؟

ولا يمكن فهم هذا السجال بمعزل عن السياق التاريخي المعقد للعلاقة بين باريس والجزائر، وهي علاقة لم تستطع، منذ الاستقلال، التحرر من إرث الذاكرة الاستعمارية. فكل أزمة جديدة تستحضر تلقائياً ملفات الماضي، وكل تقارب يواجه سريعاً باختبارات سياسية وأمنية وقضائية تعيد إنتاج التوتر من جديد.

وقد بلغت الأزمة ذروتها خلال العامين الأخيرين، حين تشابكت عدة ملفات في وقت واحد، من قضية الكاتب بوعلام صنصال، إلى ملف الصحافي كريستوف غليز، مروراً بأزمات الهجرة وإعادة المهاجرين غير النظاميين، وصولاً إلى التوتر الذي أعقب الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء، بعد رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس، التي أكد فيها أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية. وقد اعتبرت الجزائر آنذاك أن باريس تجاوزت أحد أهم الخطوط الحمراء في سياستها الإقليمية، لتدخل العلاقات الثنائية مرحلة من التصعيد غير المسبوق.

لكن ما يحدث اليوم يكشف أن تجاوز الأزمة الدبلوماسية لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السياسية. فبينما تحاول باريس والجزائر إعادة تشغيل قنوات التعاون الأمني والقضائي والقنصلي والاقتصادي، يتصاعد داخل فرنسا نقاش أكثر عمقاً حول حدود البراغماتية في السياسة الخارجية، وحول الثمن الذي يمكن أن تدفعه الدولة عندما توازن بين ضرورات المصالح الاستراتيجية وضغوط الرأي العام والحسابات الانتخابية.

وفي هذا المعنى، فإن تصريحات السفير الفرنسي لم تكن مجرد إعلان عن زيادة عدد التأشيرات، بل شكلت اختباراً سياسياً كشف حجم الانقسام داخل فرنسا بشأن كيفية إدارة العلاقة مع الجزائر. فاليمين يرى في التقارب تنازلاً، فيما تراهن الرئاسة على أن إعادة بناء الثقة تمثل مدخلاً ضرورياً لاستعادة التعاون في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد.

ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه التطورات أبعد من ملف التأشيرات نفسه: هل تنجح باريس في تحويل المصالحة مع الجزائر إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد، أم أن كل خطوة نحو التقارب ستظل رهينة الصراع السياسي الداخلي، بحيث تتحول الدبلوماسية الفرنسية، مع اقتراب انتخابات 2027، إلى امتداد مباشر للمعركة الانتخابية أكثر من كونها تعبيراً عن رؤية مستقرة للسياسة الخارجية؟ وفي المقابل، هل تمثل هذه العودة بداية شراكة جديدة، أم مجرد هدنة مؤقتة في علاقة أثبت تاريخها الحديث أن الأزمات فيها تُؤجَّل أكثر مما تُحل؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img