ذات صلة

أحدث المقالات

هل تُصفّى قيادات البوليساريو بالصواريخ المغربية أم بقرارات من داخل المخيمات؟ سقوط الحبيب عبد العزيز يعيد فتح أخطر ملف في تندوف

هل تحوّلت الطائرات المسيّرة المغربية إلى أداة لإعادة تشكيل قيادة البوليساريو؟ ومن المستفيد من سقوط قيادات الصف الأول؟

لم يعد خبر مقتل أحد قادة جبهة البوليساريو شرق الجدار الأمني المغربي مجرد واقعة عسكرية عابرة تُضاف إلى سلسلة البيانات المتبادلة بين أطراف نزاع الصحراء. فحين يتعلق الأمر بمقتل الحبيب محمد عبد العزيز، فإن الحدث يتجاوز حدود الميدان ليقترب من قلب التوازنات الداخلية للجبهة الانفصالية نفسها، ويطرح أسئلة تتجاوز كيفية مقتله إلى الأسباب التي دفعته أصلاً إلى التواجد في منطقة باتت أشبه بمسرح مكشوف للمراقبة والاستهداف.

الرجل لم يكن مقاتلاً عادياً. كان اسماً ينتمي إلى الجيل الثاني من النخبة القيادية داخل البوليساريو، وابناً لأحد أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الجبهة، محمد عبد العزيز الذي قاد التنظيم لأربعة عقود كاملة. ولذلك فإن موته لم يُقرأ داخل الأوساط الانفصالية باعتباره خسارة ميدانية فقط، بل باعتباره حدثاً سياسياً له ما بعده، خصوصاً أن الجبهة خرجت عن صمتها المعتاد وأعلنت الحداد الرسمي، في سلوك يختلف عن تعاملها مع حالات سابقة قُتل فيها عناصر وقادة ميدانيون دون أن تحظى أسماؤهم بالاهتمام نفسه.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا يُدفع بقيادي شاب يُنظر إليه كأحد الوجوه المرشحة لقيادة الجبهة مستقبلاً إلى منطقة أصبحت، عملياً، ضمن نطاق السيطرة الجوية المغربية الكاملة؟ وكيف يمكن تفسير إرسال شخصيات من هذا المستوى إلى مهام يعرف الجميع تقريباً أن احتمالات النجاة منها أصبحت ضئيلة للغاية؟

منذ نهاية سنة 2020، تغيرت طبيعة المواجهة بشكل جذري. فبعد عملية الكركرات وإعلان البوليساريو انسحابها من اتفاق وقف إطلاق النار، دخلت المنطقة مرحلة جديدة لم تعد فيها المعارك التقليدية هي العامل الحاسم، بل أصبحت التكنولوجيا العسكرية هي اللاعب الرئيسي. الطائرات المسيّرة المغربية غيرت قواعد الاشتباك بالكامل، وجعلت التحرك شرق الجدار الأمني أكثر خطورة من أي وقت مضى.

في الحروب الكلاسيكية يمكن للقادة الاختباء خلف التضاريس أو الاستفادة من عنصر المفاجأة. أما في الحروب الحديثة، حيث تتقاطع الأقمار الصناعية مع أنظمة الرصد والطائرات المسيّرة الدقيقة، فإن أي تحرك ميداني يتحول إلى هدف محتمل خلال دقائق. ولهذا السبب تحديداً يزداد الاستغراب كلما تكرر إرسال قيادات بارزة إلى مناطق مكشوفة تعرف القيادة مسبقاً أنها خاضعة للمراقبة المستمرة.

المثير في الأمر أن قائمة القادة الذين سقطوا خلال السنوات الأخيرة بدأت ترسم نمطاً متشابهاً. فالداه البندير، أحد أبرز القيادات العسكرية، قُتل سنة 2021. ثم تبعته أسماء أخرى من مستويات مختلفة داخل البنية التنظيمية والعسكرية للجبهة. واليوم يأتي اسم الحبيب محمد عبد العزيز لينضم إلى هذه القائمة الطويلة.

هذا التكرار يدفع بعض المتابعين إلى طرح فرضية باتت تتردد داخل الأوساط الانفصالية نفسها: هل يتعلق الأمر فقط بخسائر الحرب، أم أن هناك عملية إعادة ترتيب داخلية تجري تحت غطاء المواجهة العسكرية؟

الذين يطرحون هذا السؤال ينطلقون من واقع معروف داخل الحركات الثورية والانفصالية عبر التاريخ. فعندما تقترب النزاعات الطويلة من مراحل التسوية السياسية، تظهر عادة صراعات حادة بين التيارات المتشددة والتيارات البراغماتية. الأولى ترى في أي حل سياسي نوعاً من التنازل عن المشروع الأصلي، بينما تعتبر الثانية أن موازين القوى الجديدة تفرض البحث عن مخرج يحفظ ما يمكن حفظه.

وفي حالة البوليساريو، يبدو أن هذا التناقض أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالمشهد الدولي الذي كان يمنح الجبهة مساحات للمناورة قبل عقود لم يعد هو نفسه اليوم. الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء، والدعم المتنامي لمقترح الحكم الذاتي، والتحولات التي تشهدها مواقف قوى مؤثرة في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، كلها عوامل وضعت المشروع الانفصالي أمام واقع سياسي مختلف تماماً عما كان عليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة معقدة. فهي الداعم الرئيسي للبوليساريو سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغوطاً إقليمية ودولية متزايدة تدفع نحو البحث عن تسوية واقعية للنزاع. ومن هنا تنشأ فرضية أخرى أكثر حساسية: هل أصبح بعض القادة الشباب داخل الجبهة يمثلون عقبة محتملة أمام أي مسار تفاوضي مستقبلي؟

لا توجد أدلة معلنة تثبت هذا السيناريو، لكن مجرد تداوله داخل الأوساط القريبة من الجبهة يكشف حجم الشكوك المتراكمة داخل مخيمات تندوف نفسها. فحين يبدأ الأنصار في التساؤل عن أسباب إرسال قياداتهم إلى مناطق شديدة الخطورة رغم معرفة نتائج ذلك مسبقاً، فإن الأمر يعكس أزمة ثقة تتجاوز الحدث العسكري إلى بنية القيادة وطريقة اتخاذ القرار.

الأمر لا يتعلق فقط بالميدان، بل بمستقبل السلطة داخل البوليساريو. فإبراهيم غالي يقود الجبهة في مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيداً منذ تأسيسها. الجيل التاريخي الذي قاد المشروع الانفصالي لعقود يتقدم في العمر، بينما الجيل الجديد لا يخفي تذمره من غياب أفق سياسي واضح. وبين الجيلين تتشكل منافسات صامتة حول من سيقود المرحلة المقبلة إذا ما فُرضت تسوية سياسية للنزاع.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح كل خسارة ميدانية ذات أبعاد سياسية. فمقتل قيادي شاب لا يعني فقط فقدان قائد عسكري، بل يعني أيضاً إزالة اسم من معادلة الخلافة المستقبلية داخل التنظيم. وكلما تكرر سقوط الأسماء البارزة، اتسع مجال التساؤل حول المستفيد الحقيقي من هذه الخسائر المتلاحقة.

ومن زاوية أخرى، فإن ما يحدث يكشف تحولاً أعمق يتعلق بطبيعة الحروب الحديثة نفسها. فالمغرب لا يحقق فقط تفوقاً عسكرياً عبر التكنولوجيا، بل يفرض واقعاً جديداً يجعل استمرار استراتيجية الاستنزاف التي تتبعها البوليساريو أكثر صعوبة يوماً بعد يوم. ومع كل ضربة دقيقة تنفذها الطائرات المسيّرة، تتقلص قدرة الجبهة على الحفاظ على كوادرها القيادية، وهو ما ينعكس مباشرة على تماسكها التنظيمي وعلى قدرتها على تجديد نخبها.

لكن ربما لا يكمن السؤال الأهم في كيفية مقتل الحبيب محمد عبد العزيز، بل في سبب وجوده هناك أصلاً. فالحروب لا تقتل الأشخاص فقط، بل تكشف أيضاً طبيعة القرارات التي دفعتهم إلى مواقع الخطر. وبينما تواصل الطائرات المسيّرة رسم معادلات جديدة على الأرض، يبقى السؤال الذي يتردد داخل مخيمات تندوف أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل تخسر البوليساريو قادتها بسبب قوة خصمها العسكرية فقط، أم أن بعض هذه الخسائر يعكس صراعاً صامتاً على مستقبل الجبهة في مرحلة يبدو فيها الحل السياسي أقرب من أي وقت مضى؟

ذلك هو السؤال الذي قد يحدد ليس فقط مصير جيل كامل من قيادات البوليساريو، بل أيضاً شكل النهاية التي يقترب منها أحد أطول النزاعات في شمال أفريقيا.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img