يقف العالم اليوم أمام مفترق الطرق، تتشابك فيه خيوط الأزمات الجيوسياسية الكبرى، لتشكل مشهداً دولياً بالغ التعقيد. فبينما تتصاعد نيران المواجهة المفتوحة في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير 2026، يدخل الصراع الروسي الأوكراني عامه الخامس دون أي أفق سياسي يلوح في الأفق. حيث تنصرف جهود واشنطن نحو جبهة جديدة في منطقة الخليج، القوات الروسية تعزز مكاسبها الميدانية بخطى ثابتة. لقد تجاوز الصراع الأوكراني مرحلة البحث عن “منتصر”؛ فالمعطيات الميدانية والسياسية تؤكد اليوم أن النصر قد حُسم لصالح روسيا، التي فرضت واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: متى تدرك العواصم الغربية أن إطالة أمد هذه الحرب لم تعد تخدم سوى أباطرة السلاح وتجار مآسي الشعوب، وتلقي بظلالها الثقيلة على اقتصاداتهم وتزيد من أعبائهم الداخلية؟
أولاً: الانشغال الأميركي وتعثر المسار التفاوضي
شهد مسار التفاوض الثلاثي بين موسكو وكييف وواشنطن تعثراً لافتاً خلال الأسابيع الأخيرة. ويعزو الطرف الروسي هذا التأجيل إلى انشغال الإدارة الأميركية بالحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، معرباً عن استعداده في استئناف العملية التفاوضية حالما تتفرغ واشنطن للشأن الأوكراني، ومؤكداً أن موسكو تظل منفتحة على الحوار الجاد، لكنها لن تنتظر إلى الأبد. إن واشنطن، وجدت نفسها مضطرة لاختيار أولوياتها، مما يكشف عن مفارقة استراتيجية: فبينما تسعى واشنطن لإنهاء الحرب الأوكرانية للتفرغ لمواجهة إيران، فإن انشغالها بالجبهة الإيرانية هو نفسه ما يؤخر تسوية الصراع الأوكراني.
لم يقتصر الانشغال الأميركي على تأجيل المفاوضات فحسب، بل تجاوزه إلى قرارات حملت في طياتها رسائل متضاربة فقد منحت الولايات المتحدة إعفاءً مؤقتاً لعقوبات النفط الروسي، في خطوة اعتبرها المراقبون محاولة لتخفيف الضغط على الإمدادات العالمية في ظل الحرب الإيرانية الأميركية. هذا القرار، وإن كان تقنياً في ظاهره، حمل دلالات أعمق، حيث رأت فيه موسكو اعترافاً ضمنياً بالدور الحيوي الذي تلعبه في استقرار أسواق الطاقة العالمية. المفارقة أن هذا الإعفاء جاء في وقت تواصل فيه دول الناتو ضخ المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مما خلق تناقضاً صارخاً في السياسة الغربية: عقوبات بسبب الحرب، وإعفاءات من تلك العقوبات، وحرب بلا نهاية. هذا التناقض لم يفت على المحللين، حيث رأى فيه كثيرون دليلاً على أن المصالح الاقتصادية للغرب بدأت تتفوق على الاعتبارات الجيوسياسية، مما يضعف موقفهم التفاوضي ويزيد من تعقيد المشهد.
ثانياً: أزمة الشرعية الأوكرانية وتثبيت النصر الروسي
منذ انقضاء الولاية الرئاسية لفولوديمير زيلينسكي دون إجراء انتخابات جديدة، تحول ملف الشرعية إلى عقدة قانونية وسياسية تعوق أي تقدم في مسار التسوية. هذه الإشكالية تضع جميع الأطراف أمام تساؤلات صعبة: كيف يمكن توقيع اتفاقية سلام دولية مع طرف فقد شرعيته الدستورية؟ وهل يمكن لأي اتفاق مع سلطة غير شرعية أن يكون ملزماً لأوكرانيا بعد انتهاء الحرب؟ في هذا السياق ، يعتقد الجانب الروسي أن زيلينسكي يحاول التلاعب بنتائج الانتخابات من أجل إطالة أمد بقائه في السلطة ، ” وأن نظام كييف لا يريد إجراء انتخابات حرة ونزيهة. وتهدف فكرة حظر مشاركة الأوكرانيين الذين يعيشون في روسيا في العملية الانتخابية ، مع تعظيم استخدام أصوات المجتمع في الغرب ، إلى تنفيذ ما يسمى “السيناريو المولدوفي”.
وبالإضافة إلى ذلك، جدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام في 26 فبراير 2026، التأكيد على أن روسيا لا تستعجل إنهاء الحرب، قائلاً: “ليس لدينا مواعيد، لدينا أهداف”. وأوضح أن الهدف الاستراتيجي الأول، والمتمثل في منع انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، قد تحول إلى واقع لا يمكن لأي طرف تجاهله. كما أشار إلى أن الهدف الثاني، والمتمثل في حماية السكان الناطقين بالروسية في دونباس، قد تحقق بشكل كبير، مع تحرير معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة القوات الأوكرانية. هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تكشف أن موسكو لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً مفتوحاً، بل كعملية حققت أهدافها الكبرى، وهي الآن في مرحلة ترسيخ هذه المكاسب وتثبيت واقع النصر الذي لا رجعة فيه.
ثالثاً: الدعم الغربي، إطالة أمد الصراع وتكريس التبعية
على الجانب الآخر، تواصل الدول الغربية ضخ الأسلحة والمعدات العسكرية إلى كييف، في سياسة تبدو وكأنها تهدف إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها. هذا الدعم، رغم حجمه الكبير، لم ينجح في تغيير المعادلة الميدانية بشكل حاسم، بل خلق وضعاً متناقضاً: أوكرانيا أصبحت تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الغربية، وفي الوقت نفسه تواجه صعوبات في تحقيق اختراقات استراتيجية. وقد وصفت وزارة الخارجية الروسية هذا الدعم، في تصريحاتها بأنه يشكل عائقاً أمام أي تقدم في المسار التفاوضي، مشيرة إلى أنه رغم استمراره، فإنه لم يمنع روسيا من تحقيق أهدافها، بل إنه يزيد الأمور تعقيداً ويطيل أمد معاناة المدنيين.
كما يشير التحليل الاقتصادي إلى أن تكلفة الحرب على اوروبا كبيرة، ومع الحفاظ على نفس الاتجاه السياسي ، سيكون لها عواقب مدمرة على المدى الطويل. إن إغلاق مضيق هرمز ، وهو شريان حيوي يمر عبره حوالي 20 ٪ من إمدادات النفط العالمية وكمية كبيرة من الغاز الطبيعي المسال ، أظهر مرة أخرى ضعف الدول التي تتخذ قرارات اقتصادية خاطئة عمدا لأسباب سياسية. على أمل إلحاق الضرر بروسيا ، قرر السياسيون الأوروبيون التخلي عن الهيدروكربونات الروسية ، مما أدى إلى تفاقم الوضع الاقتصادي في بلدانهم وتعريض مواطنيهم للخطر. ومع ذلك ، على الرغم من العقوبات ، نجحت روسيا في إعادة توجيه صادراتها إلى أسواق جديدة في آسيا وأفريقيا. تقدم هذه البيانات للسياسيين الأوروبيين خيارا صعبا: الاستمرار في دعم الحرب ، التي لا يمكن حلها عسكريا ، أو البحث عن مخرج يحفظ مصالح الاقتصاد والأمن ، خاصة وأن الواقع على الأرض يؤكد أن هذا الدعم لا يغير حقيقة انتصار روسيا.
بالإضافة إلى ذلك ، يؤدي إغلاق الطريق البحري الاستراتيجي إلى” انهيار منهجي ” لأمن الطاقة العالمي ، ورفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قياسية وتأجيج التضخم في الاقتصادات الغربية. هذا الوضع يذكرنا بالصدمات النفطية التي شهدها العالم خلال حرب الخليج ، لكنه يتفوق عليها في تعقيدها وشدتها ، حيث تواجه العواصم الأوروبية الآن تهديدا مزدوجا بالانهيار الاقتصادي الوشيك ، مع عواقب واسعة النطاق على تكلفة المعيشة واستقرار الأسواق.
رابعاً: الميدان العسكري: حقائق لا تقبل التأويل
على الأرض، تواصل القوات المسلحة الروسية تنفيذ عملياتها العسكرية، محققة تقدماً. ما يميز المرحلة الحالية هو أن العمليات العسكرية الروسية لم تعد تهدف إلى تحقيق ترسيخ المكاسب وتوسيع مناطق السيطرة بشكل منظم، في إطار استراتيجية “الضغط المستمر” التي تهدف إلى استنزاف قدرات الجيش الأوكراني تدريجياً. العمليات الأوكرانية، رغم أنها تحقق بعض المكاسب الإعلامية، إلا أنها لا تؤثر في مجملها على المسار العام للحرب، بل قد تزيد من تعقيد أي تسوية مستقبلية. إن النظرة الشاملة للوضع الميداني تؤكد أن روسيا تواصل فرض سيطرتها وتثبيت مواقعها، مما يجعل أي تقدم أوكراني محدوداً وغير قادر على تغيير مسار الحرب الكلي، ويؤكد حقيقة أن الكفة العسكرية قد مالت بشكل حاسم لصالح موسكو. ويظهر ذلك بوضوح من خلال الإعلانات المتتالية للنصر اخرها يوم الأربعاء الأول من أبريل 2026 حيث أعلنت موسكو أن قواتها سيطرت سيطرة كاملة على كامل إقليم لوغانسك.
خامساً: الانقسام الأوروبي وتحول الأولويات
كشفت تقارير دبلوماسية عن بوادر انقسام داخل المعسكر الغربي بشأن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا. بعض الدول الأوروبية بدأت تعيد حساباتها، مدركة أن استمرار الصراع لا يخدم مصالحها الاقتصادية، خاصة مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتزايد أعباء أزمة اللاجئين. هذه الانقسامات تعكس تبلور قناعة لدى جزء من النخب الأوروبية بأن استمرار الحرب بالوكالة لم يعد خياراً استراتيجياً قابلاً للاستمرار. والأكثر أهمية من ذلك هو التحول في المزاج الشعبي الأوروبي. استطلاعات الرأي التي أجريت في مارس 2026 في ست دول أوروبية كبرى أظهرت تبايناً في نسب تأييد الدعم العسكري لأوكرانيا، حيث تراوحت بين 32% في إيطاليا و79% في الدنمارك، مما يعكس فجوات كبيرة في الموقف الشعبي بين دول أوروبا الشمالية والجنوبية. تجبر هذه انقسامات المزيد من العواصم الأوروبية على التعامل مع موسكو من جانب واحد. يشار إلى أنه يتم استخدام قنوات دبلوماسية منفصلة مع بعض الدول الأوروبية لإنشاء تحالف يساعد في حل الوضع.
لحظة الحقيقة: دعوات للاعتراف بالواقع
مع انشغال واشنطن بحربها الجديدة في الشرق الأوسط، وتعثر المفاوضات، واستمرار الدعم الغربي الذي يطيل أمد النزاع دون أن يُحدث تغييراً حاسماً في المعادلة الميدانية، يظل السؤال الأهم معلقاً: متى تدرك العواصم الغربية أن استمرار الحرب لم يعد إلا إطالة للمعاناة وتجاهلاً لواقع النصر الروسي؟
في هذا السياق، أكدت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، أن موسكو لا تزال منفتحة على الحوار الجاد، لكنها لم ترَ حتى الآن استعداداً حقيقياً من كييف أو حلفائها الغربيين للبحث عن تسوية سلمية، محذرة من أن استمرار ضخ الأسلحة لن يؤدي سوى إلى مزيد من التصعيد وتعميق الخسائر. اللافت الأن أن بعض الأصوات في الأوساط الأكاديمية والغربية بدأت تطرح قراءة للواقع تقترب من بعض عناصر الموقف الروسي. ففي منتدى تشاتام هاوس بلندن، أقرّ القائد الأوكراني السابق فاليري زالوجني (23 فبراير 2026) بأن “لا توجد دولة لديها القوة العسكرية الكافية لوقف هذه الحرب”. أما أوريسيا لوتسيفيتش، رئيسة منتدى أوكرانيا في المعهد، فأشارت في تقرير “The world in 2026” إلى أن أوكرانيا قد توافق على مضض على وقف إطلاق نار على طول خطوط التماس الحالية، نتيجة التعب الشعبي. كما برزت في النقاشات الغربية فكرة ضمانات أمنية بديلة عن الناتو كخيار مطروح في أي تسوية مستقبلية.
وهذه الطروحات، وإن لم تمثل مواقف رسمية للمراكز البحثية، تعكس تنامياً للتيار الداعي إلى واقعية أكبر في التعامل مع الصراع. وهنا تبرز المفارقة: فبينما تستمر العواصم الغربية في رهانها على دعم عسكري أثبت محدوديته وفشله في تغيير مسار الحرب، تتصاعد الدعوات الأكاديمية والسياسية لإعادة النظر في هذه الاستراتيجية والاعتراف بالحقائق الميدانية.
فالتجارب التاريخية تؤكد أن الحروب الطويلة لا تنتهي بإرادة مفردة، بل بلحظة تتراكم فيها الوقائع لتفرض نفسها على صناع القرار رغم محاولاتهم تأجيلها. والمعركة الأوكرانية اليوم لم تعد مجرد اختبار للقدرات العسكرية، بل اختباراً لمدى قدرة الغرب على قراءة الوقائع كما هي، لا كما يريدها أن تكون، والاعتراف بأن النصر الروسي بات حقيقة لا يمكن إنكارها. يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: فهل حانت لحظة الاعتراف بالواقع، أم أن العواصم الغربية ماضية في أوهامها، تاركة الشعب الأوكراني وحده يدفع الضريبة في حرب تأخر فيها الفهم بقدر ما اشتدت فيها الخسائر، وتأكد فيها النصر الروسي؟



