ذات صلة

أحدث المقالات

مزاعم مجلة الإيكونوميست تُقدم صورة غير متوازنة عن مصر: العاصمة الجديدة ليست جزيرة للنخبة أو حالة استثنائية.. وعلاقات القاهرة – أبوظبي شراكة لا هيمنة اقتصادية

لماذا تبدو العاصمة الإدارية الجديدة أكثر من مجرد “مشروع عقاري”؟

منذ عام 2013، تبنت الدولة المصرية رؤية تقوم على إعادة بناء البنية التحتية وتوسيع الرقعة العمرانية لمواجهة عقود من التكدس السكاني والضغط الهائل على القاهرة التاريخية. وفي هذا السياق، جاءت العاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية، وليس مجرد مشروع عقاري كما حاولت بعض التقارير الغربية تصويره.

الحكومة المصرية أكدت مرارًا أن العاصمة الجديدة تمثل أحد أعمدة “رؤية مصر 2030”، باعتبارها مدينة ذكية تستهدف نقل المؤسسات الحكومية إلى بيئة رقمية حديثة وتقليل الضغط على القاهرة، مع خلق مراكز اقتصادية وإدارية جديدة شرق العاصمة القديمة. وأشار المركز الإعلامي لمجلس الوزراء إلى أن المشروع يجسد التحول نحو “دولة حديثة ومتطورة” تعتمد على التكنولوجيا والبنية التحتية الذكية.

كما تظهر بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أن مصر ضخت استثمارات ضخمة في شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفسر ارتباط العاصمة الإدارية بمنظومة أوسع من التنمية العمرانية وليست “مدينة معزولة” كما يروج البعض. وتشير البيانات الرسمية إلى توسع شبكة الطرق إلى نحو 30 ألف كيلومتر، إلى جانب مشروعات المونوريل والقطار الكهربائي السريع والقطار الخفيف، بما يعكس فلسفة الربط الإقليمي لا إنشاء “جزيرة للنخبة”.

الهيئة العامة للاستعلامات: “الإيكونوميست” تجاهلت الحقائق الرسمية

الرد المصري الرسمي على تقرير مجلة “الإيكونوميست” جاء عبر الهيئة العامة للاستعلامات، التي وصفت ما ورد في التقرير بأنه “غير دقيق” واعتمد على بيانات غير مكتملة واستنتاجات غير موثقة. ووفقًا لما نشرته وسائل إعلام مصرية ودولية، فإن رئيس الهيئة السفير علاء يوسف أوضح أن المجلة لم تتواصل مع الجهات الرسمية المعنية بالمشروع قبل نشر تقريرها، رغم أن الهيئة تمثل الجهة المسؤولة عن تزويد وسائل الإعلام الأجنبية بالمعلومات الموثقة.

وأكدت الهيئة أن مزاعم “المحاباة” وغياب الشفافية في التعاقدات الخاصة بالعاصمة الإدارية لا تستند إلى أدلة، مشيرة إلى أن العقود الخاصة بالمشروع تمت عبر آليات تنافسية وإجراءات معلنة. كما شددت على أن المشروع جزء من خطة تنموية شاملة تشمل إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في مختلف أنحاء الجمهورية، وليس مشروعًا منفصلًا عن السياق الاقتصادي المصري العام.

وفي لهجة تعكس ثقة الدولة في مشروعها، جددت الهيئة دعوة “الإيكونوميست” لزيارة العاصمة الإدارية والاطلاع ميدانيًا على حجم التطوير الجاري، معتبرة أن تجاهل المعطيات الميدانية يضر بالمهنية الصحفية ويؤدي إلى تقديم صورة غير متوازنة للقارئ الدولي.

العاصمة الجديدة في سياق دولي: لماذا تبني الدول عواصم حديثة؟

اللافت أن التجربة المصرية ليست استثناءً عالميًا. فالعديد من الدول اتجهت خلال العقود الأخيرة إلى بناء عواصم أو مراكز إدارية جديدة لتخفيف الضغط عن المدن القديمة وتحفيز التنمية الاقتصادية، مثل البرازيل وكازاخستان وإندونيسيا ونيجيريا.

وفي الحالة المصرية، تشير البيانات الحكومية إلى أن القاهرة الكبرى واجهت لعقود تحديات هائلة مرتبطة بالكثافة السكانية والاختناق المروري والضغط على الخدمات. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء عاصمة حديثة تعتمد على نظم رقمية وبنية تحتية ذكية. كما أن انتقال الوزارات والمؤسسات الحكومية بالفعل إلى العاصمة الجديدة يعكس أن المشروع تجاوز مرحلة “الرمزية” إلى التشغيل الفعلي.

وتتوافق هذه الرؤية مع توجهات الأمم المتحدة المتعلقة بالتوسع الحضري المستدام والمدن الذكية، خاصة مع التوقعات باستمرار النمو السكاني في مصر خلال العقود المقبلة. كذلك، ترتبط العاصمة الجديدة بمشروعات نقل جماعي حديثة تستهدف خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة التنقل، وهو ما يتسق مع مفاهيم التنمية المستدامة المعتمدة دوليًا.

العلاقات المصرية الإماراتية: شراكة استراتيجية لا “هيمنة اقتصادية”

فيما يتعلق بالعلاقات المصرية الإماراتية، حاولت بعض التقارير الغربية تصوير العلاقة باعتبارها علاقة “تبعية اقتصادية”، إلا أن الرد الرسمي المصري شدد على أن العلاقات بين القاهرة وأبوظبي تقوم على المصالح الاستراتيجية المشتركة والتنسيق السياسي والاقتصادي طويل الأمد.

وتؤكد بيانات الاستثمار الرسمية أن الإمارات تعد واحدة من أكبر المستثمرين في السوق المصرية منذ سنوات، في قطاعات تتراوح بين العقارات والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية والسياحة، وهو ما يعكس ثقة استثمارية في الاقتصاد المصري وليس مجرد “نفوذ سياسي” كما تحاول بعض التحليلات الغربية الإيحاء.

كما أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري والسياسي، لا يمكن اختزالها في صورة “طرف تابع” لأي دولة أخرى. فالسياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة اتسمت بالتوازن وتعدد الشراكات الدولية، سواء مع الخليج أو أوروبا أو الصين أو روسيا أو الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، شدد رئيس الهيئة العامة للاستعلامات على أن توصيف سياسة مصر القائمة على احتواء التوترات الإقليمية باعتبارها “ضعفًا” أو “غياب ولاء” يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة الدبلوماسية المصرية ودورها الإقليمي التاريخي.

ماذا تقول الأرقام عن الاقتصاد والبنية التحتية منذ 2013؟

بعيدًا عن السجالات الإعلامية، تبدو الأرقام أكثر تعبيرًا عن حجم التحول الذي شهدته مصر خلال العقد الأخير. فبحسب بيانات حكومية رسمية، توسعت الدولة في إنشاء الطرق والمحاور والمدن الجديدة ومشروعات الطاقة والنقل الجماعي، بالتوازي مع برامج الإصلاح الاقتصادي والتحول الرقمي.

كما أن استمرار المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، في التعاون مع مصر وتمويل عدد من البرامج التنموية والبنية التحتية، يعكس أن الاقتصاد المصري لا يزال يحتفظ بثقة المؤسسات الدولية رغم التحديات العالمية المرتبطة بالتضخم والحروب وسلاسل الإمداد.

وبينما يركز بعض المنتقدين على تكلفة المشروعات الكبرى، تؤكد الحكومة المصرية أن تلك المشروعات تمثل استثمارًا طويل الأجل في بنية الدولة وقدرتها على استيعاب النمو السكاني وتحسين جودة الحياة ورفع كفاءة الخدمات الحكومية.

وفي المحصلة، فإن الجدل حول العاصمة الإدارية الجديدة لا يتعلق بمدينة فقط، بل يرتبط برؤية كاملة لإعادة تشكيل الخريطة العمرانية والاقتصادية في مصر. وبين الانتقادات الغربية والرواية الرسمية، تبقى الوقائع على الأرض والأرقام الرسمية العامل الحاسم في تقييم التجربة المصرية خلال السنوات المقبلة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img